من سفر أستير إلى مؤتمر مدريد: القصة الكاملة لانكسار حلف المصالح
صنارة نيوز - 09/03/2026 - 10:53 am
بقلم: د. عزمي حجرات
بينما يقلب الباحثون في أوراق التاريخ القديم، يستوقفهم "سفر أستير" في العهد القديم، كوثيقة لا تحكي فقط قصة نجاة، بل تؤرخ لعلاقة استراتيجية ضاربة في العمق بين الفرس واليهود. وفي المقابل، تطل علينا الدراسات السياسية الحديثة، وعلى رأسها كتاب "حلف المصالح المشتركة" (Treacherous Alliance) للباحث تريتا بارزي، لتكشف كيف تحول ذلك الإرث التاريخي إلى واحد من أعقد صراعات العصر الحديث.
في الوجدان اليهودي، تحتل بلاد فارس مكانة استثنائية. ففي "سفر أستير"، يظهر الملك الفارس "أحشويروش" كحاكم لـ 127 ولاية، وفي قصره بمدينة "شوشن" الفارسية، نجد تداخلاً فريداً في القرار السياسي بين الفرس واليهود (أستير ومردخاي). هذا السفر، ومن قبله مرسوم "كورش الكبير" الذي أنهى السبي البابلي، أسس لعلاقة "حلف وجودي" استمرت لقرون؛ حيث كانت بلاد فارس دائماً هي "العمق الاستراتيجي" الذي يحمي اليهود من القوى المحيطة بهم في بابل وآشور.
إذا كان "سفر أستير" هو كتاب البدايات، فإن "مؤتمر مدريد للسلام عام 1991" كان فصل النهاية في كتاب التعاون الصامت. يجادل تريتا بارزي في كتابه "حلف المصالح المشتركة" بأن العداء الحالي ليس وليد صراع عقائدي فحسب، بل هو نتاج "عزلة إستراتيجية" فُرضت على طهران بعد حرب الخليج الثانية.
لقد كان مؤتمر مدريد محاولة لرسم خارطة طريق لـ "الشرق الأوسط الجديد" برعاية أمريكية، لكنه ارتكب خطأً جسيماً باستبعاد إيران من طاولة المفاوضات. رأت إيران في هذا الإقصاء تهديداً وجودياً لمكانتها الإقليمية، فقررت التحرك من "الهامش" إلى "القلب" عبر بناء محور المقاومة وتبني القضية الفلسطينية كأداة شرعية لمواجهة هذا الإقصاء.
يشرح بارزي في كتابه كيف أن العلاقة كانت محكومة بوجود "عدو مشترك" (العراق). وبمجرد ضعف العراق بعد عام 1991 وجلوس العرب وإسرائيل في مدريد، شعرت إيران أن ترتيبات السلام تهدف إلى محاصرتها. هنا، انهار "حلف المصالح" القديم، وحل محله صراع "المنافسة على السيادة".
إن ما نشهده اليوم من صراع في غزة ولبنان، والتهديدات المتبادلة بين طهران وتل أبيب، ليس إلا صدىً لتلك اللحظة في مدريد عام 1991. لقد تغلبت "الحسابات الجيوسياسية" الحديثة على "المكانة التاريخية" المحفوظة في الأسفار القديمة.
لم يعد الصراع بين "هامان" و"مردخاي" كما في سفر أستير، بل أصبح صراعاً بين رؤيتين متناقضين لمستقبل المنطقة؛ رؤية إسرائيلية تسعى لدمج المنطقة عبر السلام، ورؤية إيرانية ترى في هذا السلام تهديداً لنفوذها التاريخي والجغرافي.




