الصناعة الأردنية على خط تماس مع الحرب… هل يصمد محرك التصدير في وجه صدمة الطاقة والشحن؟
صنارة نيوز - 14/03/2026 - 12:36 pm
الصناره نيوز - خاص
في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الجيوسياسية في المنطقة، يظهر سؤال اقتصادي حساس في الأردن: إلى أي حد يستطيع الاقتصاد الوطني الصمود أمام صدمة خارجية قد تضرب الطاقة والتجارة والنقل في آن واحد؟ وفي قلب هذا السؤال يقف القطاع الصناعي، الذي تحول خلال العقدين الماضيين إلى أحد أهم أعمدة الاقتصاد الأردني ومصدر رئيسي للعملات الأجنبية وفرص العمل.
غير أن الحرب الدائرة في المنطقة تضع هذا القطاع اليوم أمام اختبار حقيقي لقدرة الصمود. فالصناعة الأردنية لا تواجه خطر الانكماش البنيوي حتى الآن، لكنها تتعرض لضغط متزايد نتيجة ثلاثة عوامل مترابطة: ارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب سلاسل الإمداد والنقل البحري، واتساع حالة عدم اليقين في الأسواق الإقليمية.
الصورة الأساسية للاقتصاد الصناعي في الأردن قبل الأزمة تبدو إيجابية نسبيًا. فقد بلغت مساهمة القطاع الصناعي نحو 24.3% من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من عام 2025، كما أسهم بما يقارب 45.4% من النمو الاقتصادي خلال تلك الفترة. أما على مستوى التجارة الخارجية، فقد ارتفعت الصادرات الصناعية في عام 2025 بنسبة 10.2% لتصل إلى نحو 8.89 مليار دينار أردني.
هذه الأرقام تعني أن الصناعة لم تعد مجرد قطاع اقتصادي تقليدي، بل أصبحت العمود الفقري للاقتصاد الإنتاجي في المملكة. وتشير بيانات رسمية إلى أن الصادرات الصناعية شكلت نحو 91% من إجمالي الصادرات الوطنية، وهو ما يعكس درجة اعتماد الاقتصاد الأردني على قدرته التصديرية الصناعية.
ولا يقتصر دور هذا القطاع على التصدير فقط، بل يمتد إلى سوق العمل أيضًا. فقد تجاوز عدد العاملين في القطاع الصناعي المنظم 270 ألف عامل خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، مع خلق أكثر من 6 آلاف فرصة عمل جديدة للأردنيين خلال تلك الفترة. ولذلك فإن أي اهتزاز في الصناعة لا ينعكس على الإنتاج فقط، بل يطال التشغيل والاستقرار النقدي والمالية العامة في الوقت نفسه.
لكن المشكلة التي يواجهها القطاع اليوم ليست انهيار الطلب على منتجاته، بل التحول المفاجئ في بيئة الأعمال الإقليمية. فمع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، ووصل خام برنت إلى مستويات تقارب 96 دولارًا للبرميل بعد موجة من الارتفاعات السريعة في الأسواق العالمية.
وتكمن حساسية هذه التطورات بالنسبة للأردن في أن المملكة تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة لتغطية احتياجاتها. وبالتالي فإن أي ارتفاع في أسعار النفط ينعكس مباشرة على كلفة الكهرباء والوقود والنقل، وهي عناصر أساسية في عملية الإنتاج الصناعي.
ولا تتوقف الضغوط عند الطاقة فقط، بل تمتد إلى قطاع الشحن والتأمين البحري. فالتوترات العسكرية في المنطقة رفعت كلف الشحن البحري إلى مستويات مرتفعة مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمات الأخيرة، خاصة مع اضطراب الملاحة في البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية.
بالنسبة للصناعة الأردنية، التي تعتمد على التصدير إلى أسواق متعددة وعلى استيراد جزء من مدخلات الإنتاج، فإن ارتفاع كلفة النقل يمثل ضغطًا مباشرًا على هوامش الربح. ويظهر هذا الأثر بشكل خاص في الصناعات التي تعتمد على هوامش ربح محدودة أو التي ترتبط بسلاسل توريد دقيقة التوقيت.
ومن هنا يمكن تلخيص تأثير الحرب على القطاع الصناعي الأردني عبر خمس قنوات رئيسية.
القناة الأولى هي الطاقة، حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى زيادة كلفة الإنتاج في الصناعات الأكثر استهلاكًا للطاقة، مثل الصناعات الكيماوية والأسمدة والتعدين والصناعات الإنشائية.
القناة الثانية هي النقل البحري والشحن الدولي، إذ أدت التوترات الإقليمية إلى ارتفاع كلف الشحن والتأمين البحري، وهو ما يضغط على تنافسية الصادرات الأردنية في الأسواق العالمية.
أما القناة الثالثة فهي سلاسل التوريد، حيث يؤدي أي تأخير في وصول المواد الخام أو المكونات الصناعية إلى اضطراب جداول الإنتاج وزيادة الحاجة إلى مخزونات احتياطية أعلى.
القناة الرابعة تتمثل في الأسواق نفسها. فاستمرار الحرب قد يؤدي إلى تباطؤ الطلب في بعض الأسواق الإقليمية أو إرباك حركة التجارة مع دول الجوار.
أما القناة الخامسة فهي التمويل والثقة الاستثمارية. فارتفاع المخاطر الجيوسياسية عادة ما يرفع كلفة التمويل ويؤدي إلى تأجيل قرارات الاستثمار الصناعي الجديدة.
مع ذلك، فإن الاقتصاد الأردني لا يدخل هذه الأزمة من موقع ضعف كامل. فالمؤشرات النقدية الكلية ما تزال توفر هامشًا من الاستقرار. فقد بلغ معدل التضخم في الأردن نحو 1.17% في فبراير 2026، وهو مستوى منخفض نسبيًا مقارنة بالعديد من الاقتصادات في المنطقة.
كما تجاوزت الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي الأردني 26 مليار دولار مع بداية عام 2026، وهو مستوى يكفي لتغطية نحو تسعة أشهر من مستوردات المملكة من السلع والخدمات. وتوفر هذه الاحتياطيات خط دفاع نقدي مهم في مواجهة الصدمات الخارجية.
لكن في المقابل، لا يزال الاقتصاد الأردني يعاني من تحديات هيكلية، أبرزها العجز في الحساب الجاري الذي بلغ نحو 6.6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، إضافة إلى استمرار العجز في الميزان التجاري.
هذا يعني أن الأردن يمتلك أدوات دفاع نقدية معقولة، لكنه يبقى معرضًا لتأثير أي ارتفاع كبير ومستمر في فاتورة الطاقة والواردات.
وعند النظر إلى القطاعات الصناعية الأكثر عرضة للتأثر، تظهر الصناعات الكيماوية والأسمدة والتعدين في مقدمة القطاعات الحساسة لارتفاع كلفة الطاقة والشحن. فهذه الصناعات تعتمد بشكل كبير على الطاقة في عمليات الإنتاج وعلى النقل البحري في عمليات التصدير.
في المقابل، تتمتع بعض القطاعات بدرجة أعلى من المرونة، مثل الصناعات الدوائية والصناعات الغذائية، حيث يبقى الطلب عليها أكثر استقرارًا حتى في أوقات الأزمات.
أما قطاع الألبسة والنسيج، الذي يمثل أحد أكبر القطاعات التصديرية في الأردن، فيواجه تحديًا مختلفًا يتمثل في حساسية هذا القطاع لسلاسل التوريد العالمية ومواعيد التسليم الدقيقة.
ومن أبرز صادرات الأردن الصناعية الفوسفات والبوتاس والأسمدة وحامض الفوسفوريك، وهي قطاعات قد تستفيد أحيانًا من ارتفاع الأسعار العالمية للمواد الأولية، لكنها تبقى معرضة أيضًا لمخاطر الشحن والتأمين البحري وارتفاع كلفة الطاقة.
القراءة الاقتصادية الأهم في هذه المرحلة هي أن تأثير الحرب على الصناعة الأردنية لن يكون موحدًا. فبعض القطاعات قد تتضرر من ارتفاع الكلف رغم استمرار الطلب، بينما قد تستفيد قطاعات أخرى من ارتفاع الأسعار العالمية لمنتجاتها.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في التوقف المفاجئ للإنتاج، بل في احتمال تآكل القدرة التنافسية للصناعة الأردنية تدريجيًا إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
وفي السيناريو القصير الأجل، يمكن توقع ثلاثة آثار مباشرة على القطاع الصناعي. أولها ارتفاع كلف الإنتاج والنقل والتأمين بشكل سريع. وثانيها تراجع هوامش الربح لدى الشركات الصناعية، خصوصًا تلك المرتبطة بعقود تصدير بأسعار ثابتة. أما الأثر الثالث فهو ميل الشركات إلى زيادة مخزون المواد الخام كإجراء احترازي، وهو ما يؤدي إلى تجميد جزء من السيولة العاملة.
أما في حال استمرار الحرب لفترة أطول، فقد تنتقل الضغوط من مرحلة الكلفة إلى مرحلة الكمية، أي تباطؤ الإنتاج وتأجيل الاستثمارات الصناعية الجديدة، وربما تعثر بعض المصانع الصغيرة والمتوسطة.
ورغم هذه التحديات، يرى خبراء الاقتصاد أن الصناعة الأردنية ما تزال تمثل أحد أهم خطوط الدفاع الاقتصادي في البلاد. فالقوة التصديرية التي بناها هذا القطاع خلال السنوات الماضية توفر قاعدة مهمة للصمود، لكنها في الوقت نفسه تكشف درجة انكشافه على الأسواق والطاقة العالمية.
وبناءً على ذلك، يرى اقتصاديون أن الأولويات الاقتصادية في المرحلة الحالية يجب أن تتركز على ثلاث نقاط أساسية: تخفيف كلف الطاقة على الصناعات التصديرية، دعم السيولة والتمويل للمصانع الأكثر تعرضًا للأزمة، وتأمين بدائل لوجستية مرنة للشحن والتصدير.
فالهدف في هذه المرحلة ليس فقط الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي العام، بل حماية الآلة التصديرية للاقتصاد الأردني نفسها، لأنها تمثل اليوم أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية للمملكة في مواجهة الصدمات الإقليمية.
وبينما تستمر الحرب في إلقاء ظلالها الثقيلة على المنطقة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا في عمان: هل تستطيع الصناعة الأردنية أن تحافظ على زخمها التصديري رغم ارتفاع كلف الطاقة والنقل، أم أن الأزمة الحالية ستفرض إعادة حسابات اقتصادية أوسع في نموذج النمو الصناعي في المملكة؟




