جغرافيا الوهم: كيف زيّف هنري فنش التاريخ لزرع خنجر الغرب في قلب فلسطين؟
صنارة نيوز - 17/03/2026 - 9:41 pm
د. عزمي حجرات
لم يكن عام 1621 مجرد تاريخ لنشر كتاب، بل كان نقطة انطلاق لأكبر عملية تزوير جيو-تاريخي في العصر الحديث. حين وضع المحامي الإنجليزي هنري فنش كتابه "نداء اليهود"، لم يكن يستند إلى حقائق، بل كان يقود مشروعاً لإسقاط التاريخ التوراتي قسراً على أرض فلسطين، في عملية تزييف لغوية وجغرافية كبرى خدمت أهداف أوروبا في حربها ضد الدولة العثمانية.
تشير الأبحاث التاريخية والأثرية الرصينة إلى أن اليهود الأوائل لم يسكنوا فلسطين قط، بل كانت جذورهم وحركتهم التاريخية في أصلها من عرب اليمن وجنوب الجزيرة العربية. لكن العقل الاستعماري الأوروبي، بقيادة فنش ومن تلاه، عمد إلى تزييف ترجمات النصوص القديمة وإزاحة الأسماء الجغرافية من بيئتها اليمانية الأصلية وإسقاطها على مدن وقرى فلسطين. كان الهدف من هذا الخداع الأكاديمي هو خلق شرعية تاريخية وهمية تبرر الغزو الأوروبي للمنطقة تحت ستار العودة.
لقد تم استغلال اليهود كبيادق في هذه اللعبة؛ حيث تم إقناعهم عبر تضخيم لاهوتي بأن فلسطين هي الأرض الموعودة، بينما كان الغرض الحقيقي هو تحويلهم إلى وكيل بشري يحمي مصالح الغرب. لقد أرادت بريطانيا والقوى الصاعدة خلق كيان غريب عن جسد المنطقة، يدين بوجوده لأوروبا، ويعمل كمسمار جحا لتفتيت وحدة المشرق العربي وإضعاف الهيمنة العثمانية آنذاك.
إن هذا التلاعب بالدين والتاريخ لم يمر بسلام؛ فقد أدى خلق هذا الكيان المبني على أسطورة جغرافية مزيفة إلى ولادة وحش جيوسياسي تجاوز حدود الدور المرسوم له. هذا الكيان، الذي زُرع ليكون أداة استعمارية، أصبح اليوم يهدد السلم العالمي بأسره، وليس العرب وحدهم. لقد ارتد السلاح على صانعه، وتحولت نبوءة فنش المزيفة إلى لغم ينفجر في وجه الاستقرار الدولي.
إن ما نعيشه اليوم هو نتاج هندسة خراب بدأت قبل أربعة قرون. لقد تم اختطاف التاريخ وتزييف الجغرافيا وتجنيد الأساطير لتدمير المنطقة العربية. إن كشف حقيقة أن أورشليم التاريخية ليست القدس الحالية، وأن أصل الحكاية يمني وليس فلسطينياً، هو السلاح الأمضي لتفكيك الرواية الصهيونية التي بدأت بمداد قلم المحامي الإنجليزي هنري فنش.





