تيار الترند… يجرف أطباء أردنيين..ويهدد صحة المرضى

صنارة نيوز - 02/05/2026 - 7:35 am

الصناره نيوز - خاص

 

في السنوات الاخيرة، لم يعد الطب حكرا على العيادات والمستشفيات، بل انتقل بقوة الى الفضاء الرقمي، حيث باتت منصات التواصل الاجتماعي مسرحا واسعا لتقديم النصائح الصحية والمعلومات الطبية. ومع هذا التحول، برزت ظاهرة متنامية تتمثل في نشاط عدد من الاطباء وغير المختصين في تقديم محتوى طبي سريع ومختصر، يحمل في طياته في كثير من الاحيان رسائل دعائية غير مباشرة، او وعودا مبالغا فيها، او تبسيطا مخلا لحالات صحية معقدة تتطلب تقييما سريريا دقيقا.
هذه الظاهرة، وان بدت في ظاهرها امتدادا طبيعيا لدور التوعية الصحية، الا انها تطرح تساؤلات جوهرية حول حدود الممارسة المهنية في البيئة الرقمية، ومدى توافق هذا المحتوى مع الاطر القانونية والتنظيمية القائمة في الاردن، خاصة مع تنامي ما يعرف بتسليع الطب، حيث تكافئ خوارزميات المنصات المحتوى المثير والجاذب للانتباه على حساب الدقة العلمية الرصينة.
في سياق ضبط هذه الممارسات، شهدت الاطر التنظيمية الاردنية تطورا نوعيا مؤخرا؛ فقد اصدرت نقابة الاطباء الاردنية تعليمات الاعلانات والاعلام الطبي للاطباء التي دخلت حيز التنفيذ في شباط فبراير 2025. وقد جاءت هذه التعليمات لتسد مساحات رمادية واسعة كانت تستغل في الفضاء الرقمي. فقد حظرت التعليمات صراحة استخدام افعال التفضيل المضللة مثل الاول او الابرع او الاوحد، ومنعت استغلال المقابلات التلفزيونية والصحفية للترويج المباشر للطبيب او منشاته. كما شددت على مسؤولية الطبيب الشخصية عن اي محتوى ينشر على صفحاته، مانعة نشر اي معلومات علمية او حالات مرضية ما لم تكن مثبتة في مجلات او مؤتمرات علمية محكمة، مع حظر قاطع لنشر صور او فيديوهات للمرضى اثناء الاجراءات الجراحية والتجميلية حفاظا على خصوصيتهم.
غير ان الواقع الرقمي لا يزال يزخر بصياغات جاذبة تعتمد على الاثارة والاختزال، من قبيل حل نهائي خلال دقيقة او اخطر عرض لا يجب تجاهله. وهنا يبرز دور قانون الجرائم الالكترونية الاردني رقم 17 لسنة 2023، الذي يفتح الباب امام المساءلة القانونية. فالمادة 15 من القانون تجرم نشر او اعادة نشر الاخبار الكاذبة او المعلومات المضللة التي من شانها التاثير على السلم المجتمعي، والذي يعد الامن الصحي جزءا لا يتجزا منه. كما يعاقب القانون على جرائم الاحتيال الالكتروني وانتحال الصفات عبر الشبكة المعلوماتية. ومع ذلك، فان تطبيق هذا القانون في المجال الطبي يظل مرتبطا بصعوبة اثبات القصد الجرمي او وجود ضرر مباشر واضح، وهو ما يجعل جزءا كبيرا من المحتوى السريع يقع خارج نطاق المساءلة الفورية، رغم تاثيره التراكمي الخطير على وعي الجمهور.
ولا يمكن اغفال التقاطع مع قانون المسؤولية الطبية والصحية الاردني رقم 25 لسنة 2018، الذي وضع معايير صارمة لتقديم الخدمة الطبية. فتقديم تشخيصات او وصفات علاجية عبر التعليقات او الرسائل الخاصة بناء على معلومات سطحية يعد خرقا لقواعد المهنة، وقد يدخل الطبيب في دائرة الخطا الطبي نتيجة غياب الفحص السريري الدقيق.
ان التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في غياب التشريعات، بل في اتساع الفجوة بين صرامة النص القانوني وسرعة الممارسة الرقمية. فالسوشيال ميديا تدفع نحو تبسيط الرسائل واختزالها، وهو ما يتعارض جذريا مع طبيعة العمل الطبي القائم على التقييم الفردي.
من هنا، تبرز الحاجة الى تكاتف جهود وزارة الصحة والجهات المعنية، بالتنسيق مع نقابة الاطباء، لضمان تفعيل الاطار التنظيمي الجديد للمحتوى الطبي الرقمي، بما يوازن بين حق الجمهور في التوعية، وحقه الاصيل في الحصول على معلومات دقيقة وامنة.
وفي هذا السياق، لا تقتصر الحاجة على التشخيص النقدي للظاهرة، بل تمتد الى بلورة مقترحات تنظيمية قابلة للتطبيق. اذ يمكن للجهات المعنية تعزيز اليات الرصد التقني من خلال استحداث وحدات متخصصة تعتمد على ادوات المتابعة الرقمية لتتبع المحتوى الطبي المخالف، بما يضمن استجابة اسرع واكثر فاعلية. وبالتوازي، تبرز اهمية تكثيف التوعية القانونية للاطباء عبر برامج تدريبية دورية توضح حدود الممارسة في الفضاء الرقمي، خاصة في ضوء احكام التشريعات النافذة. كما يمكن التفكير في اطلاق نظام توثيق رسمي للحسابات الطبية، عبر منح شارة اعتماد صحي للحسابات الملتزمة بالمعايير المهنية، بما يسهم في تمكين الجمهور من التمييز بين المصادر الموثوقة وغيرها. ولا يقل عن ذلك اهمية تفعيل مسارات الشكاوى المجتمعية، من خلال تبسيط اليات الابلاغ عن المحتوى المضلل، بما يعزز دور المجتمع في حماية الفضاء الصحي الرقمي.
كما ان المسؤولية لا تقع على عاتق الجهات الرسمية وحدها، بل تمتد الى الاطباء انفسهم، الذين يفترض ان يشكلوا خط الدفاع الاول عن مصداقية المعلومة الطبية، من خلال الالتزام بحدود التوعية، وتجنب الانزلاق نحو تقديم وصفات عامة او حلول سريعة لا تستند الى تقييم سريري حقيقي.
ان الطب في جوهره ليس محتوى قابلا للاختزال في دقيقة، ولا وصفة جاهزة للتعميم على الجميع لجلب التفاعلات. وبينما تستمر المنصات الرقمية في اعادة تشكيل طرق التواصل، يبقى السؤال مفتوحا: كيف يمكن حماية المعلومة الطبية من ان تتحول الى سلعة خاضعة لمنطق الخوارزميات، بدل ان تبقى اداة سامية لحماية الانسان وصحته؟