هل تحوّل الضمان الاجتماعي من مظلة أمان إلى حلم بعيد المنال؟
صنارة نيوز - 04/05/2026 - 12:04 pm
بقلم: المحامي محمد ياسر العطار
أبناء وطني الكرام،
بصفتي محاميًا قضى قرابة عشرين عامًا في أروقة محاكمنا الموقّرة، التي نُجلّ لها كل الاحترام والتقدير، أكتب إليكم اليوم لا لأتحدث بلغة النصوص الجافة، بل لأتحدث عن أماننا ومستقبل خريف أعمارنا.
إنني أؤمن إيمانًا راسخًا بأن ثقتنا بقضائنا العادل ودستورنا العظيم هي الحصن المنيع الذي يحمي حقوقنا. ونكتب اليوم عن تعديلات الضمان الاجتماعي لتعزيز الوعي، وللتأكيد أن صوتكم هو الذي يصنع الفارق، وأن القانون وُجد ليحميكم لا ليُعجزكم.
في لحظةٍ يُفترض أن يطمئن فيها العامل لمستقبله، يأتي قانون الضمان الاجتماعي ليعيد طرح الأسئلة بدلًا من أن يمنح الإجابات. وهنا يبقى السؤال الأهم:
هل ما زال الضمان الاجتماعي يمثل أمانًا حقيقيًا، أم تحوّل إلى وعدٍ مؤجل؟
وبينما ينظر الأردنيون إلى مؤسسة الضمان الاجتماعي بوصفها “بيتًا آمنًا” يحمي خريف أعمارهم، جاءت مسودة التعديلات الأخيرة على المادتين (62) و(64) لتضع هذا الأمان على المحك. لم تعد الأسئلة تدور حول: متى سأتقاعد؟ بل أصبحت:
هل سأصل إلى سن التقاعد حيًا ومعافى في ظل رفعه إلى 65 عامًا؟
إن التحول الدراماتيكي في شروط الاستحقاق ونسب الخصم يطرح تساؤلًا مشروعًا في الشارع القانوني والشعبي:
هل ما زال الضمان الاجتماعي مظلة حماية، أم يتحول تدريجيًا إلى حلم بعيد المنال بشروط تعجيزية؟
⸻
المادة (64): مقصلة التقاعد المبكر والاصطدام بمبدأ “الحقوق المكتسبة”
تُعد المادة (64) النقطة الأكثر حساسية في التعديلات؛ إذ ترفع اشتراكات التقاعد المبكر إلى (360) اشتراكًا (30 عامًا). هذا النص ينسف مفهوم المرونة في سوق العمل الأردني.
وهنا لا بد من استحضار اجتهادات محكمة التمييز الأردنية، التي أكدت أن القواعد القانونية الجديدة لا يجوز أن تسري بأثر رجعي على المراكز القانونية التي اكتملت عناصرها في ظل قانون سابق.
إن إخضاع من اقترب من التقاعد لشروط المادة (64) الجديدة يُعد مساسًا بالأمن القانوني، حيث استقر القضاء الأردني على أن للمواطن حقًا مكتسبًا في توقع استقرار القواعد القانونية التي بنى عليها التزاماته الحياتية. وأي تغيير مفاجئ دون فترات انتقالية عادلة يُعد زعزعةً للثقة العامة بمؤسسات الدولة.
⸻
المادة (62): فلسفة الاحتساب ومساس “جوهر الحق”
أما المادة (62)، المتعلقة باحتساب الراتب التقاعدي، فتمثل تحديًا حقيقيًا لمنظومة الحماية الاجتماعية. إذ إن اعتماد متوسط الأجور لفترات أطول قد يؤدي فعليًا إلى تآكل القوة الشرائية للرواتب التقاعدية.
وهنا يُستحضر المبدأ الدستوري الوارد في المادة (128/1) من الدستور الأردني، والتي تنص على أنه:
“لا يجوز أن تنال القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات من جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها.”
ويرى خبراء القانون أن رفع سن التقاعد إلى 65 عامًا، مع تخفيض “معامل المنفعة”، قد يُفرغ حق التقاعد من جوهره، ويحوّله من مكافأة لنهاية الخدمة إلى عقبة مالية يصعب نيلها، مما قد يفتح باب الطعن بعدم الدستورية.
⸻
الفجوة التشريعية: بين قانون العمل والضمان
لا يمكن قراءة هذه التعديلات بمعزل عن الواقع القضائي، إذ تظهر فجوة واضحة بين حق إنهاء الخدمات عند سن 60 عامًا في قانون العمل، وبين رفع سن الاستحقاق في قانون الضمان.
هذا التضارب يضع العامل في حالة “انكشاف اجتماعي”، حيث قد يجد نفسه بلا عمل وبلا راتب تقاعدي لسنوات، وهو ما يتناقض مع الغاية الأساسية للضمان الاجتماعي بوصفه شبكة أمان.
⸻
فلسفة التعديل: بين الاستدامة والعدالة
لا شك أن الهدف المعلن من هذه التعديلات هو تحقيق الاستدامة المالية لصندوق الضمان الاجتماعي، لضمان قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه الأجيال القادمة.
لكن الاستدامة لا يجب أن تتحقق على حساب حقوق الأفراد أو بتحميلهم عبء سنوات إضافية من أعمارهم.
⸻
رسالة إلى مجلس الأمة
وبما أن القانون لا يزال قيد النظر في مجلس الأمة، فإننا نأمل تحصين هذه النصوص من أي تغوّل تشريعي. فالحفاظ على استدامة الصندوق لا يكون بجباية سنوات العمر من الموظف البسيط، بل عبر تحسين إدارة الاستثمارات وصون الحقوق المكتسبة التي كفلها القضاء والدستور.
⸻
ختامًا
إن قانون الضمان الاجتماعي هو العقد الاجتماعي الأهم بين الدولة والمواطن.
والعبث ببنوده الحيوية دون مراعاة المبادئ القضائية المستقرة قد يفتح الباب أمام موجة من الطعون أمام المحاكم الإدارية والدستورية، بما يُرهق القضاء ويزيد من حالة عدم اليقين.
إن الأردنيين لا يطلبون سوى الطمأنينة التي كفلها لهم دستورهم،
لا ضمانًا يلاحقون سرابه طيلة حياتهم.




