الأردن ممر البيانات: العقبة بوابة رقمية صاعدة بين أوروبا وآسيا

صنارة نيوز - 23/05/2026 - 11:53 am

الصناره نيوز - خاص

 

لم يعد الحديث عن العقبة مجرد تطوير لقطاع الاتصالات أو مشروع تقني محدود، بل عن إعادة تموضع كاملة للأردن داخل الجغرافيا الرقمية العالمية، في لحظة تتغير فيها خريطة الاقتصاد الدولي من حول الكابلات والبيانات ومراكز الحوسبة، لا فقط حول النفط والموانئ والطاقة التقليدية، فمدينة العقبة تتحول تدريجياً إلى عقدة عبور استراتيجية للبيانات بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، ضمن سباق عالمي متسارع لإعادة تشكيل مسارات الإنترنت والبنية الرقمية العابرة للقارات. 

هذا التحول اكتسب بعداً أكثر وضوحاً بعد الإعلان عن توقيع مذكرة تفاهم بين شركة Sparkle الإيطالية، وNaiTelالتابعة لـ Aqaba Digital Hub، وشركة iLevant Ltd، لتمديد نظام الكابل البحري GreenMed عبر الأردن، وربطه بممرات رقمية تمتد بين أوروبا وآسيا. أهمية الاتفاقية لا تكمن فقط في إضافة كابل جديد، بل في أنها تضع الأردن داخل مشروع أوسع لإعادة رسم الممرات الرقمية العالمية، ضمن بيئة تتزايد فيها الحاجة لمسارات أكثر مرونة وأماناً واستقراراً بعيداً عن الاختناقات التقليدية. 

اللافت أن المشروع لا يقوم على فكرة “إنزال كابل بحري” فقط، بل على بناء منظومة رقمية متكاملة تربط البحر بالبر، عبر دمج الكوابل البحرية بشبكات الألياف الضوئية الأرضية، ومراكز البيانات، ونقاط تبادل الإنترنت، ومنصات الحوسبة السحابية، وخدمات الأمن السيبراني، وهو ما يمنح الأردن قيمة استراتيجية مختلفة تماماً عن مجرد دولة عبور تقليدية. 

وفي عالم يعتمد فيه ما يقارب 99% من حركة الإنترنت الدولية على الكوابل البحرية، تصبح الدول التي تمتلك نقاط إنزال وربط متعددة جزءاً من البنية التحتية الحرجة للاقتصاد العالمي، هذه الحقيقة تفسر لماذا تتحول العقبة اليوم إلى نقطة اهتمام متزايدة ضمن مشاريع الربط الرقمي الدولية، خصوصاً أن أي اضطراب في هذه الشبكات قد ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، والأسواق المالية، والخدمات السحابية، والذكاء الاصطناعي، وحتى الأمن القومي للدول. 

ويبدو أن الأردن يحاول استثمار موقعه الجغرافي التاريخي بطريقة مختلفة هذه المرة، فالمملكة التي شكّلت عبر العقود نقطة وصل بين المشرق والخليج والبحر المتوسط، تعيد اليوم إنتاج هذه الميزة بصيغة رقمية. فبدلاً من أن تمر عبرها فقط خطوط التجارة والطاقة، باتت تمر عبرها أيضاً شبكات البيانات والاتصال العالمي، في وقت أصبحت فيه البيانات مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن خطوط النفط أو الممرات البحرية. 

العقبة تحديداً تبدو محور هذا التحول، فالمدينة لم تعد مجرد ميناء بحري، بل بدأت تتشكل كمنصة رقمية إقليمية متكاملة، فبحسب المعلومات المرتبطة بمشروع Aqaba Digital Hub، يضم المشروع أكبر مركز بيانات في المملكة بمساحة تقارب 17 ألف متر مربع وقدرة تشغيلية تصل إلى 12 ميغاواط، إضافة إلى أول محطة إنزال كوابل بحرية بسياسة وصول مفتوح، ومركز تبادل بيانات محايد، ومنظومة خدمات سحابية وأمن سيبراني متقدمة. 

سياسة “الوصول المفتوح” هنا ليست تفصيلاً تقنياً صغيراً، بل نقطة استراتيجية بالغة الأهمية، لأنها تقلل من الاحتكار وتسمح لمشغلين دوليين متعددي الجنسيات باستخدام البنية التحتية نفسها، ما يعزز المنافسة ويزيد جاذبية الأردن كمركز إقليمي للربط الرقمي،كما أن وجود مركز تبادل بيانات محايد يسمح بتحسين جودة الإنترنت وتقليل زمن الاستجابة عبر تبادل حركة البيانات محلياً وإقليمياً بدلاً من مرورها بمسارات بعيدة. 

المشهد لا يتعلق بـ GreenMed فقط، فالعقبة أصبحت جزءاً من شبكة أوسع تضم مشاريع BlueMed وBlue & Raman، وهي منظومات كوابل تربط أوروبا بالشرق الأوسط والهند وشرق أفريقيا، ووفق المعلومات المرتبطة بهذه المشاريع، فإن الأردن يتحول تدريجياً إلى نقطة إنزال وعبور رئيسية ضمن الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي الأوروبي IMEC، الذي لا يقتصر على النقل والطاقة، بل يشمل أيضاً البنية الرقمية والاتصالات وحركة البيانات العالمية. 

هذا الربط يمنح الأردن موقعاً حساساً داخل الاقتصاد الرقمي الجديد، فالعالم اليوم لا يتنافس فقط على الموانئ والمطارات وخطوط التجارة، بل على “الممرات الرقمية” أيضاً، ومن يمتلك القدرة على توفير مسارات بيانات آمنة ومنخفضة الكمون ومستقرة، يمتلك عملياً ورقة استراتيجية في الاقتصاد العالمي القادم، خصوصاً مع التوسع الهائل في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والخدمات المالية الرقمية. 

ولا يمكن فصل هذا التحول عن التوجهات الأوروبية والدولية الأوسع، فالاتحاد الأوروبي يدفع منذ سنوات باتجاه إنشاء ممرات رقمية آمنة ومتنوعة ضمن استراتيجية Global Gateway، فيما ينظر إلى مشاريع مثل Blue-Raman باعتبارها جزءاً من إعادة بناء الاتصال الرقمي بين أوروبا والهند والشرق الأوسط وأفريقيا بعيداً عن المسارات التقليدية الحساسة، وفي هذا السياق، يستفيد الأردن من موقعه الجغرافي ومن حالة الاستقرار النسبي التي يتمتع بها مقارنة بمحيطه الإقليمي. 

الأهمية العملية لهذا التحول ستنعكس على أكثر من مستوى، فزيادة عدد الكوابل والمسارات البديلة تعني تحسين استقرار الإنترنت وتقليل احتمالات الانقطاع، خصوصاً بعد الحوادث التي شهدها البحر الأحمر في السنوات الأخيرة وأثرت على جزء مهم من حركة البيانات بين أوروبا وآسيا،كما أن وجود مراكز بيانات متقدمة داخل الأردن قد يسمح باستضافة خدمات رقمية إقليمية كانت تُدار سابقاً من مراكز بعيدة، ما يفتح الباب أمام استثمارات جديدة في التكنولوجيا والخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي. 

اقتصادياً، الحديث هنا عن قطاع عالي القيمة وليس مجرد خدمات اتصالات تقليدية، فمراكز البيانات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني أصبحت صناعات استراتيجية تجذب استثمارات بمئات الملايين، وتخلق وظائف تقنية متقدمة، وتربط الدول مباشرة بالشركات العالمية الكبرى،ولهذا جاء دعم البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لمشروع Aqaba Digital Hub، في مؤشر على أن المشروع يُنظر إليه كبنية استراتيجية قابلة للتوسع الإقليمي، لا كمشروع محلي محدود. 

وفي المحصلة، فإن ما يجري في العقبة اليوم يتجاوز كثيراً فكرة “تحسين الإنترنت” أو “إضافة كابل بحري”، الأردن يحاول الدخول إلى واحدة من أكثر الصناعات الاستراتيجية حساسية في العالم: صناعة حركة البيانات العالمية، وفي عالم باتت فيه البيانات هي شريان الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا، فإن الدول التي تتحول إلى عقد رقمية رئيسية لا تكتسب فقط عوائد اقتصادية، بل وزناً جيوسياسياً جديداً أيضاً.