ليس يوماً في الروزنامة.. الاستقلال بوصفه حياة تُبنى كل صباح

صنارة نيوز - 25/05/2026 - 3:25 pm

 الصناره نيوز - خاص

 

في الخامس والعشرين من أيار، لا يفتح الأردنيون صفحة في الروزنامة بقدر ما يفتحون كتاباً طويلاً من المعنى، ليس الاستقلال رقماً يضاف إلى أعمار الدول، ولا مناسبة تعبر في نشرات الأخبار ثم تمضي، بل هو ذلك الخيط العميق الذي يصل بين لحظة السيادة ودفتر الطالب، بين راية ترفرف فوق مدرسة بعيدة وحارس يقظ على تخوم الوطن، بين يد مزارع تشق التراب في الأغوار ويد طبيب تضمد وجعاً في مستشفى، وبين أمّ تودّع ابنها إلى عمله وهي تعرف أن لهذا البلد باباً اسمه الأمن، وسقفاً اسمه الدولة، وذاكرةً اسمها الهاشميون والأردنيون معاً.

منذ أن أعلن الأردن استقلاله في الخامس والعشرين من أيار عام 1946، لم تكن الحكاية الأردنية حكاية يوم واحد، بل حكاية بلد قرر أن يحوّل المعنى السياسي للسيادة إلى حياة يومية تُعاش، فالاستقلال لا يكتمل بمجرد أن تُرفع الراية، بل حين تصبح الراية مظلة لمدرسة، وجسراً إلى مستشفى، وطريقاً إلى قرية، وفرصةً لشاب، وعدالةً في مؤسسة، وطمأنينةً في بيت، وهنا تكمن خصوصية التجربة الأردنية: أنها لم تجعل الاستقلال ذكرى محفوظة في أرشيف الدولة وحده، بل جعلته عملاً مستمراً في وجدان الناس ومؤسساتهم وطرقهم وأحلامهم.

لقد وُلد الأردن المستقل في جغرافيا ليست سهلة، وفي إقليم لم يعرف الهدوء طويلاً، وبموارد طبيعية محدودة لا تمنح الدول ترف الاتكاء على الوفرة، لكن الأردن، منذ بداياته، آمن بأن الإنسان هو الثروة الكبرى، وأن بناء الدولة لا يقوم على ما تحت الأرض وحده، بل على ما في العقول والقلوب من عزيمة ومعرفة وانتماء، لذلك تمددت المدرسة في المدن والقرى، وتقدمت الجامعة لتصنع جيلاً يحمل مهنة ورسالة، واتسعت مؤسسات الدولة لتربط الأطراف بالمركز، وتحوّل الحلم الوطني إلى بنية إدارية وخدمية وأمنية واجتماعية، صلبة بما يكفي لتصمد، ومرنة بما يكفي لتتطور.

ولعل أجمل ما في الاستقلال الأردني أنه لا يظهر دائماً في المشاهد الكبرى وحدها،إنه يظهر في التفاصيل التي قد لا تنتبه إليها الكاميرا: في موظف يفتح باب مؤسسة صباحاً لخدمة مراجعين لا يعرف أسماءهم، في معلم يقف أمام طلبته مؤمناً أن الحصة الأولى قد تكون بداية مستقبل كامل، في جندي لا يرى من الوطن إلا حدوده البعيدة لكنه يعرف أنه يحرس كل بيت فيه، في سائق حافلة ينقل العمال إلى يومهم الشاق، وفي شابة تحمل مشروعاً صغيراً وتؤمن أن حب الوطن لا يقال فقط، بل يُنتج ويبتكر ويتعب.

هذا هو المعنى الأعمق للاستقلال: أن يكون الوطن قابلاً لأن يُبنى كل صباح،فالأوطان لا تُصان بالشعارات مهما علت، بل تُصان حين يذهب الناس إلى أعمالهم بإخلاص، وحين تُحترم المؤسسات، وحين يصبح القانون مرجعاً، وحين يُنظر إلى المال العام كأمانة، وحين يشعر المواطن أن له مكاناً في القصة، وأن عليه واجباً في استمرارها، الاستقلال هنا لا يعود حالة احتفالية، بل يتحول إلى أخلاق عامة: إتقان، مسؤولية، إنتاج، وعي، ومشاركة.

في المسيرة الأردنية، حضرت القيادة الهاشمية بوصفها عنوان استمرارية الدولة وحافظة توازنها، فمن التأسيس إلى البناء، ومن عبور المحطات الصعبة إلى دخول المئوية الثانية، بقيت الدولة الأردنية تستند إلى شرعية تاريخية وسياسية ووطنية جعلت من الاعتدال نهجاً، ومن الاستقرار قيمة، ومن الإنسان محور، ولم يكن التفاف الأردنيين حول قيادتهم مجرد عبارة تُقال في المناسبات، بل كان، في لحظات كثيرة، سرّ القدرة على العبور؛ ذلك أن الأمم التي تعرف مركز ثقلها تستطيع أن تمشي في العواصف دون أن تفقد اتجاهها.

والاستقلال الأردني، في جوهره، ليس ذاكرة مغلقة على الماضي، إنه وعد مفتوح على المستقبل، فالجيل الذي وُلد بعيداً عن لحظة عام 1946 لا يريد أن يُطلب منه حفظ التاريخ فقط، بل أن يُمنح دوره في صناعته، يريد أن يرى الاستقلال فرصة عمل لائقة، وتعليماً يفتح الأفق، وإدارة عامة أكثر كفاءة، وحياة سياسية أوسع مشاركة، واقتصاداً يثق بقدرته على النهوض، وهذا حقه، بل وهذه هي الطريقة الأصدق لصون الاستقلال: أن يتحول حب الوطن إلى مشاريع، وأن تتحول العاطفة الوطنية إلى كفاءة، وأن تتحول الذكرى إلى طاقة فعل.

ولأن الأردن يعرف جيداً معنى أن يكون ثابتاً في منطقة متحركة، فقد اكتسب استقلاله بعداً يتجاوز الداخل، فهو استقلالٌ حمل معه مسؤولية عربية وإنسانية، وموقفاً ثابتاً من قضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين والقدس، ودوراً في حفظ السلام والاستقرار، وقدرة على مدّ اليد للأشقاء رغم أثقال الموارد والظروف، هذه ليست مجرد سياسة خارجية، بل جزء من الشخصية الأردنية التي ترى في الكرامة الوطنية امتداداً للكرامة العربية، وفي الاعتدال قوة لا ضعفاً، وفي الحكمة شجاعة من نوع رفيع.

غير أن الفخر الوطني الحقيقي لا يعني الاكتفاء بمديح الذات، الفخر الناضج هو أن نرى ما تحقق ونحميه، وأن ندرك ما ينقصنا ونعمل له، فمن حق الأردن على أبنائه في عيد استقلاله ألا يكتفوا بتبادل التهاني، بل أن يسأل كل واحد منهم نفسه: ماذا أضيف إلى هذا البلد؟ كيف أحمي منجَزه؟ كيف أوسّع مساحة الثقة فيه؟ كيف أجعل عملي، مهما كان بسيطاً، لبنة في جدار الوطن؟ فالوطن لا يكبر فقط بما تقرره الحكومات، بل بما يفعله الناس حين لا يراهم أحد.

في كل بيت أردني، ثمة شاهد صغير على هذه الحكاية الكبيرة: صورة قديمة لجندي، شهادة جامعية لأول خريج في العائلة، سند أرض في قرية، مفتاح دكان، دفتر خدمة، أو رسالة من مغترب يكتب اسم الأردن بحنين لا يشيخ، هذه الأشياء الصغيرة ليست مقتنيات عائلية فحسب؛ إنها وثائق وجدانية تقول إن الدولة حين تستقر في حياة الناس تصبح أكثر من حدود وعلم ونشيد،تصبح ذاكرة وكرامة ومصيراً مشتركاً.

لذلك، حين يطل الخامس والعشرون من أيار، لا ينبغي أن نتعامل معه كاستراحة وطنية في آخر الربيع، بل كمناسبة لمراجعة عهدنا مع البلاد،فالاستقلال الذي بدأ بانتصار الإرادة الوطنية ، صار اليوم اختباراً يومياً في السلوك العام، وفي جودة العمل، وفي نزاهة الخدمة، وفي قدرة الجيل الجديد على حمل الأمانة بروح جديدة، والأردن، الذي عبر ثمانين عاماً من التحديات والبناء، لا يحتاج منا إلى أن نصفق له فقط، بل أن نعمل له؛ لأن الأوطان التي تُحب بصدق تُخدم بصمت، وتُبنى بإتقان، وتُحرس بالوعي قبل السلاح وبعده.

ليس الاستقلال الأردني يوماً في الروزنامة، إنه صباح يبدأ مع رفع العلم في مدرسة، ومع نوبة جندي، ومع عيادة تفتح بابها، ومع عامل يذهب إلى مصنعه، ومع طالب يقرأ للمستقبل، ومع قيادة تمضي بوطنها في طريق التحديث بثبات،إنه حياة تُبنى كل صباح، وراية لا تكفيها الريح كي تبقى عالية، بل تحتاج إلى سواعد الأردنيين ووعيهم ومحبتهم الصادقة، وفي كل عام، حين نقول: كل عام والأردن بخير، فإننا لا نطلق تهنئة عابرة؛ نحن نعلن وعداً جديداً بأن يبقى هذا الوطن عزيزاً، آمناً، منتجاً، وكبيراً بأهله، كما كان دائماً، وكما يستحق أن يكون.