افعى تتصدر غابة السيناريوهات حول فاجعة سبايدرمان اليمن
صنارة نيوز - 14/06/2026 - 11:31 am
صنعاء -خاص -الصنارة
في يوم الجمعة الثالث عشر من يونيو 2026، أُسدل الستار على واحدة من أكثر القصص إثارة في اليمن المعاصر، حين سقط المغامر القعقاع عنتر العبسي، البالغ من العمر ثلاثين عاماً، داخل فوهة "حرضة دمت" البركانية في مديرية دمت بمحافظة الضالع جنوبي اليمن، لم تكن هذه المرة الأولى التي ينزل فيها القعقاع إلى أعماق تلك الفوهة المرعبة، بل كان قد فعل ذلك مئات المرات على مدار سنوات، حتى صار اسمه مرادفاً لهذا المعلم الطبيعي الخطير، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: كيف يمكن لمتسلق بهذا المستوى من المهارة والخبرة أن يسقط في المكان الذي يعرفه أكثر من أي شخص آخر؟
فقدعُرف القعقاع عنتر العبسي بلقب "سبايدر مان اليمن" نظراً لقدراته البدنية الاستثنائية في تسلق الجدران الصخرية شديدة الانحدار داخل الفوهة البركانية، دون الاستعانة بأي معدات أو حبال أو أدوات سلامة احترافية. كان يتشبث بالصخور بيد واحدة أحياناً، ويؤدي حركات بهلوانية على حواف المنحدرات التي يتجاوز عمقها واحداً وثلاثين متراً، في مشاهد كانت تحبس أنفاس المتابعين وتثير إعجابهم وقلقهم في آنٍ واحد.
لم يكن القعقاع مجرد هاوٍ عابر، بل كان قد طوّر على مدار سنوات معرفة دقيقة بتضاريس الفوهة وطبيعة صخورها ونقاط الارتكاز فيها، وقد سخّر هذه المهارات أيضاً لإنقاذ أغنام المواطنين التي كانت تسقط أو تعلق في جوانب الحرضة، مما أكسبه محبة أهالي المنطقة فضلاً عن شهرته الواسعة على منصات التواصل الاجتماعي. وكانت هذه المغامرات والعروض تمثل مصدر رزقه الوحيد في ظل ظروف معيشية صعبة، إذ كان يكتب أسماء الزوار وذكرياتهم على جدران الفوهة مقابل مبالغ مالية، إلى جانب ما يجنيه من المتابعات والمشاهدات.
وقعت الحادثة أثناء قيام القعقاع بإحدى جولاته المعتادة للتسلق بالقرب من المياه الحارة داخل الفوهة البركانية. وبحسب المقاطع المصورة التي وثقتها كاميرته الخاصة، انزلقت قدماه بشكل مفاجئ مما أدى إلى فقدانه التوازن وسقوطه من ارتفاع يُقدّر بواحد وثلاثين متراً،وأفاد شهود العيان بأنه سقط على ظهره ورأسه، وتعرض لنزيف حاد من أذنيه ووجهه، مما يشير إلى إصابات بالغة في الجمجمة والدماغ نتيجة الارتطام.
والسؤال المحوري الذي أثاره كثيرون هو: لماذا لم يسبح القعقاع بعد سقوطه في المياه الحارة أسفل الفوهة، وهو الذي يُعرف عنه قدرته على السباحة؟ والإجابة تكمن في طبيعة السقوط ذاته، إذ إن الارتطام من هذا الارتفاع على الظهر والرأس كافٍ لإحداث فقدان فوري للوعي أو كسور في العمود الفقري، مما يجعل أي استجابة جسدية مستحيلة.
الرواية الرسمية التي تبنتها مصلحة الدفاع المدني اليمني والمصادر الإخبارية الموثوقة تفيد بأن القعقاع انزلقت قدماه أثناء ممارسة التسلق المعتاد. وهذا التفسير، رغم بساطته، يطرح تساؤلاً جوهرياً: كيف ينزلق شخص أمضى سنوات يتسلق هذه الجدران ذاتها بمهارة فائقة؟
فيما انتشرت على نطاق واسع رواية تفيد بأن القعقاع تعرض للدغة أفعى أثناء تسلقه، مما تسبب في ردة فعل لا إرادية أفقدته توازنه، وقد استند أصحاب هذه الرواية إلى تحليل دقيق للفيديو الأخير، حيث لاحظ بعض المتابعين حركة بجوار يد القعقاع قبيل لحظة السقوط مباشرة، فسّروها بأنها ثعبان أو أفعى. كما أشاروا إلى أن ردة فعله المفاجئة واختلال توازنه بتلك الطريقة تتسق مع ما يحدث عند التعرض لمفاجأة مؤلمة كلدغة، حيث تكون ردة الفعل الغريزية هي الابتعاد عن مصدر الألم دون تفكير، وهو ما قد يكون كافياً لفقدان نقطة الارتكاز على جدار شديد الانحدار. وتتوافر في البيئة الصخرية لفوهة حرضة دمت البركانية الظروف المثالية لتواجد عدد من أخطر الأفاعي السامة المسجلة في اليمن، وتأتي في مقدمتها أفعى الحراشف المنشارية، المعروفة محلياً بـ"أفعى السجاد"، وهي أفعى شديدة السمية لا يتجاوز طولها 75 سنتيمتراً، تعيش حصرياً في الصحاري الصخرية والمناطق الجبلية حتى ارتفاع 2500 متر، وتتميز بشراستها الفائقة إذ تلدغ عند أدنى حركة تقترب منها، وتختبئ نهاراً في الشقوق والتجاويف الصخرية هرباً من الحرارة، كما يوجد في اليمن نوعان مسجلان من نفس الجنس هما حارية بوركيني وحارية خوساتسكي ، ويتشاركان السلوك العدواني ذاته والبيئة الصخرية نفسها. إلى جانب ذلك، تنتشر في المرتفعات الجنوبية لليمن الكوبرا العربية، وهي أفعى كبيرة يصل طولها إلى مترين، تحمل سماً عصبياً قاتلاً، وتُعد من أبرز أسباب الوفيات بلدغات الثعابين في المنطقة. كذلك تُسجّل في اليمن أفعى النفّاثة المعروفة بقدرتها على التمويه وميلها للسكون في مكانها بدلاً من الهرب، مما يرفع احتمالية اللدغات العرضية لمن يقترب منها دون أن يراها.
طرح محللون رواية ثالثة تتعلق بخطأ في الميكانيكا الحركية أثناء تنفيذ إحدى الحركات، ووفقاً لهذا التحليل، حاول القعقاع تنفيذ حركة سريعة تتضمن قفزة وتشبثاً، فحرّر يده التي كانت تمثل نقطة الارتكاز الثابتة قبل أن تكتسب اليد الأخرى قوة تثبيت كافية في الموضع الجديد،وقد تزامن ذلك مع دفع الرجلين الذي أعطى زخماً بعيداً عن حائط الصخرة بدلاً من دفعه نحو التمسك بها، مما وضع جسمه في حالة "انعدام توازن لحظي" في الهواء.
أشار بعض المعلقين المحليين إلى احتمال أن تكون النقطة التي أمسك بها القعقاع قد تفتتت أو انكسرت، خاصة أن البيئة البركانية الحارة والرطبة تُضعف بنية الصخور بمرور الوقت، وأن ما كان صلباً بالأمس قد يصبح هشاً اليوم.
رغم أن رواية لدغة الأفعى لم تُثبت رسمياً، إلا أن ثمة عوامل تجعلها جديرة بالنظر أولها إن مستوى مهارة القعقاع واحترافه يجعل من الصعب تفسير سقوطه بمجرد "انزلاق" عادي. فالرجل الذي أمضى سنوات يتسلق هذه الجدران ذاتها، ويعرف كل شق وكل نتوء فيها، ويؤدي حركات بهلوانية معقدة بثقة تامة، لا يُتوقع أن ينزلق بهذه البساطة في ظروف اعتيادية.
ثانياً، إن البيئة الصخرية الدافئة والرطبة داخل الفوهة البركانية تُعد بيئة محتملة لوجود الزواحف، وإن كان بعض المعلقين المحليين أشار إلى أن الثعابين لا تعيش عادة في الأماكن شديدة الحرارة. غير أن المنطقة المحيطة بالفوهة وتجاويف الصخور في الأجزاء الأقل حرارة قد تؤوي بعض الأنواع.
ثالثاً، إن طبيعة ردة الفعل التي ظهرت في الفيديو، وهي حركة مفاجئة وعنيفة أدت إلى فقدان التوازن الكامل، تتسق أكثر مع استجابة لمؤثر خارجي مفاجئ ومؤلم، أكثر من كونها مجرد انزلاق تدريجي
في المقابل، ثمة حجج قوية تدعم رواية الانزلاق البسيط:أولاً، حتى أمهر المتسلقين المحترفين في العالم، الذين يستخدمون أفضل المعدات، يتعرضون للسقوط. فالجسم البشري ليس آلة، والإرهاق والتكرار والثقة المفرطة كلها عوامل قد تؤدي إلى خطأ قاتل في لحظة واحدة.
ثانياً، إن غياب معدات السلامة يعني أن أي خطأ مهما كان بسيطاً لا يوجد ما يعوضه أو يمنع عواقبه. فالحبال وأحزمة الأمان وُجدت تحديداً لأن حتى المحترفين يخطئون.
ثالثاً، إن الصخور البركانية في بيئة رطبة وحارة قد تكون مغطاة بطبقة رقيقة من الرطوبة أو الطحالب التي تجعلها زلقة بشكل غير متوقع، خاصة إذا تغيرت الظروف المناخية أو ارتفع مستوى البخار في ذلك اليوم.
رابعاً، إن ما يبدو "حركة" في الفيديو بجوار يده قد يكون مجرد ظل أو قطرة ماء أو وهم بصري ناتج عن جودة التصوير وزاوية الكاميرا.
بصرف النظر عن السبب المباشر للسقوط، سواء كان لدغة أفعى أو انزلاقاً أو خطأ حركياً، فإن الحقيقة الثابتة هي أن القعقاع كان يمارس نشاطاً بالغ الخطورة دون أي وسائل حماية، وهذا يعني أن أي سبب من الأسباب المذكورة، مهما بدا تافهاً، كان كافياً لإنهاء حياته.
إن المأساة الحقيقية لا تكمن في لحظة السقوط وحدها، بل في المنظومة الكاملة التي أوصلت شاباً موهوباً إلى أن يجعل من تحدي الموت يومياً مصدر رزقه الوحيد، فالقعقاع لم يكن يتسلق من أجل المتعة فحسب، بل كان يفعل ذلك لأنه لم يجد بديلاً آخر يوفر له قوت يومه في ظل غياب الفرص وتراجع سبل العيش.
تبقى الأسباب المباشرة لسقوط القعقاع بن عنتر محل جدل ونقاش، في غياب تحقيق رسمي شامل أو تقرير طبي شرعي يحسم المسألة. والروايات المتداولة، من لدغة الأفعى إلى الانزلاق إلى الخطأ الحركي، تظل جميعها في إطار التحليل والتكهن. غير أن ما لا خلاف عليه هو أن هذا الشاب الاستثنائي في مهاراته كان يفتقر إلى أبسط وسائل الحماية التي كان يمكن أن تنقذ حياته مهما كان سبب السقوط.





