القدس في فكر الأمير الحسن: مدينةٌ تختبر ضمير العالم وكرامة الإنسان
صنارة نيوز - 07/02/2026 - 9:13 pm
الصناره نيوز -
القدس في فكر الأمير الحسن: حين تغدو المدينة معيارًا لكرامة الإنسان
ليست القدس في خطاب سموّ الأمير الحسن بن طلال موضوعًا طارئًا ولا عنوانًا يُستدعى عند احتدام الأزمات، بل هي جوهر مشروعٍ فكري وأخلاقي متكامل امتدّ عبر عقود. مشروع يرى في الإنسان محور السياسة، وفي الكرامة أساس الاستقرار، وفي المشرق فضاءً حضاريًا مشتركًا لا ميدانًا دائمًا للصراع.
في زيارته الأخيرة إلى فرنسا، لم يتعامل سموّه مع القدس كملف سياسي، بل كـ سؤال أخلاقي مفتوح: سؤال عن معنى السلام وحدود القوة، وعن مسؤولية المجتمع الدولي حين تتحوّل أكثر مدن العالم قداسة إلى ساحة لانهيار القانون وتآكل الضمير وتسييس المقدّس.
في كل محفل تحدّث فيه — من أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية، إلى المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، وصولًا إلى لقاءات اليونسكو — حضرت القدس لا كرمزٍ تجريدي، بل كمرآة كاشفة. مرآة تُظهر ما آل إليه مفهوم السلام عندما يُختزل في صفقات، وما يحدث حين يُفصل الأمن عن الكرامة، والسياسة عن الأخلاق.
يرى الأمير الحسن أن القدس لم تُدار تاريخيًا بمنطق القوة، بل بمنطق التوازن؛ توازن دقيق وغير مكتوب، نشأ من إدراكٍ عميق لحساسية المدينة، ومن احترامٍ متبادل للمقدّس، ومن وعيٍ جمعي بأن فرض الهيمنة لا يُنتج سوى العنف. ولم يكن “الوضع القائم” إجراءً إداريًا، بل اعترافًا بأن القدس لا تحتمل الغلبة، وأن السلام فيها لا يُفرض بل يُصان.
غير أن هذا التوازن، كما يحذّر سموّه، يتفكك اليوم على نحوٍ خطير. فالدين يُوظَّف سياسيًا، والأماكن المقدسة تُجرَّد من معناها الروحي وتُدفع إلى منطق المواجهة، فيما تتراجع القيود القانونية والأخلاقية التي كانت — ولو جزئيًا — تضبط السلوك. والخطر لا يقتصر على القدس، بل يمتد إلى جوهر فكرة التعايش الإنساني.
ومن موقعه كأحد أبرز المفكرين العرب، يربط الأمير الحسن ما يجري في القدس بسياقٍ أوسع هو نزع الإنسانية: حين تُختزل الشعوب في أرقام، والمعاناة في إحصاءات، وتُمحى القصص البشرية الحقيقية، يصبح انتهاك الحقوق أمرًا اعتياديًا. لذلك يؤكد أن الدفاع عن القدس ليس دفاعًا عن حجرٍ أو حدود، بل عن الإنسان — عن حقه في العبادة، وفي الكرامة، وفي الوجود دون إذلال.
ولا ينفصل هذا الموقف عن انشغاله الدائم بالمشرق. فالمشرق، في فكره، ليس جغرافيا مأزومة، بل فضاء حضاري تشكّل عبر قرون من التفاعل الثقافي والديني والإنساني. ومن هنا تأتي دعوته المتواصلة إلى مقاربة إقليمية ترى في شعوب المنطقة شركاء في المصير، لا أدوات في صراعات النفوذ.
في حديثه عن المشرق كما في رؤيته للقدس، يرفض الأمير الحسن اختزال السلام في ترتيبات أمنية، أو التنمية في أرقام، أو الاستقرار في قمع. فالأمن — كما يكرّر — لا يقتصر على الحدود والسلاح، بل يشمل الماء والتعليم والصحة والقدرة على العيش بكرامة. وحين تُهمَل هذه الأبعاد، يصبح الانفجار مسألة وقت.
وفي زمنٍ تتراجع فيه التعددية ويُدار العالم بمنطق الصفقات، يصرّ الأمير الحسن على أن السلام الحقيقي مسارٌ أخلاقي طويل لا اتفاقًا يُوقّع. وأن القدس، بما تحمله من معنى روحي وتاريخي، تظلّ الاختبار الأصدق لقدرتنا على إدارة الاختلاف دون عنف، والهوية دون إقصاء، والإيمان دون توظيف سياسي.
ليست كلمات الأمير الحسن عن القدس خطابات موسمية، بل شهادة تاريخية وموقف أخلاقي متراكم، يواصل دورًا هاشميًا يرى في حماية المقدّس حمايةً للإنسان، وفي النهوض بالشعوب شرطًا للاستقرار، وفي الكرامة الإنسانية حجر الأساس لأي سلامٍ قابلٍ للحياة.
وفي عالمٍ يتجه نحو تطبيع القسوة، يظلّ صوته تذكيرًا بأن القدس ليست مجرد مدينة، بل بوصلة. وأن ضياعها الأخلاقي ليس خسارة محلية، بل فشل إنساني شامل.




