إضاءات لابد منها على سياق القصف الإيراني لبلدان الخليج العربية
صنارة نيوز - 21/03/2026 - 1:15 pm / الكاتب - ماجد عبدالهادي
عيد مبارك، وكل عام وأنتم بخير، أعاده الله على أمتنا وهي في حال أفضل من هذه التي تشتد فيها الآلام، وتتعمق الجروح، وتتسع من فلسطين إلى بلدان الخليج، مروراً بالعراق وبلاد الشام.
أما بعد، فقد كان يمكن للنقاشات المستعرة الآن، على هامش الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، أن تؤديّ إلى خلاصات جديرة بالإسهام، وإن بقدر متواضع، في التأسيس لمستقبل عربي مختلف عن الراهن المظلم، غير أن ما يحدث، وهذا اعتراف شديد المرارة، لا ينطوي، في شكله، كما في مضمونه، على شيء يسر الخاطر، أو يستدعي التفاؤل، بقدر ما يعيد، للأسف، تجديد صفحة مخجلة في التاريخ، كانت وثقت انقسام العرب إلى غساسنة يصطفون في معسكر الروم البيزنطيين، ومناذرة ينخرطون في جيوش الفرس الساسانيين.
أقول ما أقول، لا بصفتي صحافياً تثير أعماله، أحياناً، ما تثير من مجادلات ساخنة، يستسهل بعضها الانحدار إلى لغة الاتهامات، وإنما باعتباري مواطناً عربياً ولد على أرض تراجيديا النكبة الفلسطينية، و شاءت له الأقدار أن يكون شاهد عيان على الآلام التي عرفتها بلدان عربية أخرى طوال عقود سابقة، لا بل شريكاً، حتى بالمعنى الشخصي، في المعاناة التي ألحقها الغزاة، بالعراق وسوريا ولبنان، ثم ها أنا أجد نفسي اليوم في قلب أذى مماثل، تتعرض له قطر البلد العربي الذي أعيش فيها منذ خمس وعشرين سنة.
كان الأمر يقتضي تغيير جلدي، أو حتى استبدال قلبي بآخر بلاستيكي، إن أردت الاصطفاف مع من يصطفون في جوقة التصفيق النشاز على وسائل التواصل الاجتماعي، احتفاء بقصف إيراني يستهدف بلداناً عربية خليجية، وتسعد به إسرائيل، في الوقت نفسه أيضاً!!
لكن، وحتى بافتراض أنني أستطيع تحييد مشاعري القومية، ومعها عواطفي الإنسانية، حيال بلاد عزيزة لم أر منها، وفيها، إلا كل خير، فإن إعمال العقل وحده، وقراءة التطورات بتجرد، لا يمكن أن يؤديا إلى نتيجة أخرى، سوى تلك التي وصلت إليها، قبل اعتداءات إيران الأخيرة على قطر وغيرها من بلدان الخليج العربية، بنحو ثلاثة عقود من الزمن؛ عودوا، إن شئتم، إلى ما نشرت، منذ اختراع الانترنت، على الأقل، لتنشطوا ذاكرتكم، وتروا، وتسمعوا، وتعرفوا وجهة نظري الراسخة في أطماع ملالي إيران بالسيطرة على الجوار العربي، وكيف اتخذت سياساتهم الإقليمية، على نحو جلي مفضوح، شكل الهيمنة السياسية والتمدد العسكري، عبر تشكيل الميليشيات المذهبية، وارتكاب جرائم القتل الجماعي، وقمع أماني الحرية، في العراق، بدءاً من اللحظة التي أعقبت الغزو الأميركي عام 2003، وفي سوريا، وبعض آخر من بلدان الربيع العربي، بعد عام 2011. لقد قلت منذ أمد بعيد، في تقاريري على شاشة الجزيرة، ومقالاتي على صفحات الصحف، ومنشوراتي الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، إن إيران تستخدم الدين، ومعه الجمل الثورية عن المقاومة، شعارات مضللة، لتجند بها قطعاناً من دهماء العرب في مشروع إحياء حلمها الإمبراطوري، على أنقاض بلدانهم، وإن صراعها مع إسرائيل هو صراع تنافسي على النفوذ الإقليمي، لا صراع من أجل نصرة قضاياهم، أو الدفاع عنهم.
وإذ أعرب بعض المخدوعين بإيران أخيراً عن صدمته من تقرير لي يحلل طبيعة وأهداف اعتداءاتها على بلدان الخليج العربية، ولم يجد ما يقوله إزاءها غير الشتم، فلأن الغرض عند هؤلاء مرض، بل مرض عضال، وأسوأ ما فيه صدوره عن جوهر مذهبي طائفي، أو عن انخداع بشعارات ثورية جوفاء، لاسيما في أوساط ذوي "ذاكرة السمك" التي ربما توفر لأصحابها فرصة التنعم باللحظة، أي لحظة، مع الجهل المطبق بسياقها الموضوعي، وما سبقها من معطيات. يشاهد هؤلاء فيديوهات لإطلاق الصواريخ الإيرانية على إسرائيل، فتدب فيهم النشوة، ولا يتذكرون أن إيران التي ظلت تهدد على مدى عقود بإزالة إسرائيل عن الخارطة، لم تطلق رصاصة واحدة في هذا الاتجاه، إلا بعدما تعرضت للهجمات الإسرائيلية الأميركية، وأن الفيالق العسكرية التي شكلتها وألصقت بها اسم القدس، ظلت تعيث قتلاً وتدميراً في العراق وسوريا واليمن، بينما كان الفلسطينيون العزل، ومازالوا، هم وحدهم من يواجهون انتهاكات قوات الاحتلال وعتاة اليمين الإسرائيلي للمسجد الأقصى.
مع ذلك، ورغم إدراكي العميق، مبكراً، لجوهر مشاريع الهيمنة الإيرانية على المنطقة، فقد سبق لي أن انتقدت بشدة من وقفوا مع إسرائيل وأميركا ضد إيران حين اندلعت أولى الحروب بينهما، في حزيران يونيو الماضي، ورفضت علنا، في تلك الآونة، منطق المساواة بين خطريهما، كما حذرت من مزالق الانحدار إلى درك المفاضلات الشعبوية الشائعة التي تقوم على الاكتفاء بالتصفيق لأي منهما، في وقت باتت فيه الأمة العربية جمعاء، أشد ما تكون حاجة للتساؤل عن أسباب تبوئها مكانة هامشية في التنافس الدولي على أرضها. قلت إذ ذاك أيضاً إن من ينخرطون في نقاشات المفاضلة بين إسرائيل وإيران يجهلون غالبا تاريخ وجغرافيا المنطقة. صحيح أن الإيرانيين، كما الإسرائيليين، ألحقوا بالعرب ما لا حدود له من الأذى، في سبيل مشاريع الهيمنة والنفوذ، غير أن هناك أيضاً، ما لا يجوز إغفاله من فروق جوهرية بينهما، أهمها أن إيران جزء أصيل من نسيج المنطقة. هي كانت هنا حضارة عريقة، منذ ألوف السنين، وستبقى إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، سواء اتفقنا مع نظام حكمها أو اختلفنا، حاربناه وحاربنا، أو توصلنا معه إلى تسويات واتفاقيات حسن جوار. أما إسرائيل، فتختلف جذرياً من حيث طبيعتها مشروعاً استعمارياً استيطانيا يقوم على التطهير العرقي لسكان البلاد وإحلال مهاجرين من شتى أصقاع العالم في مكانهم، لا على أرض فلسطين وحدها، بل في معظم بلدان المشرق العربي، وفق ما تقول الأدبيات الصهيونية المستندة إلى أساطير تلمودية غابرة.
تلك هي أسس رؤيتي، وما ذاك الذي قلته في تقريري الأخير عن الاعتداءات الإيرانية المستمرة على بلدان الخليج العربية، إلا نوعاً من التنبيه إلى خطر توافق إيران مع إسرائيل، ضمناً، على توسيع الحرب بينهما، حتى تستكمل تدمير ما لم يسبق تدميره من بلاد العرب. ووحدهم السذج أو البسطاء، في رأيي، هم من صدقوا رواية إيران التي تفتقر إلى أي دليل، في شأن انطلاق الهجمات عليها من بلدان الخليج، لا من حاملات الطائرات العملاقة التي دفعت بها الولايات المتحدة إلى بحار المنطقة، ويغفلون، في المقابل، أو يتجاهلون حقيقة ساطعة مفادها أن رد إيران بقصف منشآت الطاقة، في قطر، والكويت، والإمارات، والسعودية، وعمان، والبحرين، ينسف عملياً أي مزاعم عن استهداف الوجود الأميركي، ويقدم الدليل الذي لا يقبل الشك على محاولة أخذ هذه البلدان رهينة لابتزاز العالم المتعطش للطاقة، وصولاً إلى بلورة ضغط دولي على البيت الأبيض ليوقف الهجمات عليها، ودونما أي اعتبار، طبعاً، لمصالح جيرانهم شعوب المنطقة، أو مبادئ حسن الجوار، أو حتى مستقبل العلاقات بين الجانبين حين تضع الحرب أوزارها.
أخيراً، يهمنى القول إن هذا ليس ردا على أحد، وإنما هو مجرد محاولة لتوضيح رؤيتي للمنعطف الذي نمر فيه كأمة، وفي ظني أن تعقيداته قد التبست أمام أعين نفر من المأخوذين بجزئية قصف إيران لإسرائيل، دون غيرها من جوانب بالغة الأهمية، أما سواهم من الدهماء الذين يعجزون عن أي نقاش بغير الحكم على الآخرين وفق منطق البيع والشراء، في أحط تعبيراته، فليس ثمة ما يمكن قوله عنهم، سوى "كل إناء بما فيه ينضح"




