الإبادة- في العقيدة العسكرية الصهيونية.

صنارة نيوز - 07/05/2026 - 3:02 pm  /  الكاتب - جمال الخطيب


، باحث /مدير مركز البديل للدراسات والأبحاث 
عضو رابطة الكتاب الأردنيين
سكرتير المعهد العربي لبحوث أوراق السياسات
مدخل: 
منذ عملية طوفان الأقصى يرتكب الاحتلال الإسرائيلي  جرائم ومجازر يومية بحق المدنيين من أطفال ونساء وكبار السن ،فالجريمة والعدوان ركنان أساسيان من أركان الدولة الصهيونية بوصفها دولة استعمار استيطاني قائمة على الحرب وعلى التطهير العرقي منذ نكبة عام 1948.
 شاهد العالم بفضل وسائل الإعلام وخاصة منصات التواصل أبشع صور حرب الإبادة الجماعية،كما استهدف الاحتلال الصحفيين ومراكز الإعلام ( استشهاد وإصابة وإخفاء المئات، وتدمير أكثر من 200 منزل لصحفيين و70  مقرا لمؤسسات إعلامية ،كما تم تهجير أكثر من 1200 من منازلهم ).
إن القتل الجماعي والتطهير العرقي والتهجير القصري جرائم ضد الإنسانية في تصنيف القانون الدولي، وما تمارسه إسرائيل  يتخطى كل ما ارتكبته عصاباتها منذ عام 1948 ،من حيث كثافة القتل والتدمير والتهجير.
إن الأساس النظري لكل أعمال الإبادة والإرهاب التي مارستها الصهيونية أثناء وجودها بفلسطين المحتلة. تعكس جذور الخطاب الإبادي وتلك النزعة الإجرامية التي تُشرعن للصهيوني أعمال القتل والإبادة والتهجير والتطهير العِرقي باسم الإله، فخطاب الإبادة الصهيوني استخدم التوراة وأسفارها لشرعنة جرائمه وممارسته في فلسطين. ورغم التعارض الصارخ بين الصهيونية بوصفها حركة علمانية والتوراة بوصفها نصا دينيا، فقد استغلت الأولى الشريعة اليهودية حتى تتحقَّق لها أطماعها الاستعمارية .
أن فعل الإبادة الصهيوني اتخذ من الرموز والأساطير الكتابية ،أو التوراتية،  مرجعية له يستوحي منها ما فعل الأسلاف لتطبيقه على الواقع الراهن،وهو ما تؤكده الأدبيات والأدباء الصهاينة ، إذ يرون أن إسرائيل تتعامل مع كتابها المقدس بوصفه مرجعا تاريخيا يجب تكرار أحداثه التاريخية.
 ووفق هذه الرواية فإن إبراهام -أو نبي الله إبراهيم- كان أول من عهد إليه "يهوه" (الإله التوراتي) بأرض فلسطين التاريخية، واختص بهذا العهد من ذريته إسحاق، ثم يعقوب /أو إسرائيل/ لتكون هذه الأرض من بعده ملكا لبني إسرائيل بحق إلهي مقدس.
من الأهمية بمكان الإشارة الى أن القادة الإسرائيليين وعلى رأسهم نيتنياهو يستخدمون في هذه الحرب التي يعتبرونها وجودية في خطابهم والسردية الدينية وفق معتقداتهم . ففي النص التوراتي، بوصفه مرجعا تاريخيا للحركة الصهيونية، سنجد أن سفر التثنية يشرح بوضوح الإستراتيجية الحربية الواجب إتباعها عند دخول البلدان، حيث يقول: "حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعيها للصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفُتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويُستعبد لك، وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربا، فحاصرها. وإذا دفعها الرب إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب". 
انطلاقا من هذا التأصيل الكتابي فالقوانين الكتابية ، هي التي يتسلمها القادة الإسرائيليون كمصدر وحي، وكشريعة مقدسة لاستئناف البعث الإسرائيلي في فلسطين، على أساس أن كل جريمة تصبح شرعية وقانونية من أجل تحقيق وعد الرب". كما هو الحال في سفر يشوع - بأن "يشوع" عند اقتحامه أرض كنعان -فلسطين التاريخية- مع جيشه من بني إسرائيل، لم يُبقوا عِرقا ينبض بالحياة في كل المدن التي اقتحموها.
 فبعد أن أخذوا أريحا "حرَّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير، بحد السيف.. وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها". 
مفهوم الإبادة – الأرض والسكان عنوان:
في خضم السجال البحثي حول منهج الإبادة ، فمنذ النكبة، نرى تباينا في الآراء حول ما إذا كانت النكبة تستحق وصف "الإبادة الجماعية"، أم لا. ففي حين رأى "ساري حنفي"، الأستاذ بالجامعة الأميركية في بيروت، أن الوصف الأمثل للنكبة هو "إبادة المكان"، كونها جعلت الارتحال الاختياري واقعا إجباريا لا بد منه، يرى "مارتن شو"، المتخصص البريطاني بدراسات الإبادة الجماعية، أن النكبة إبادة جماعية بالفعل. وهو التوصيف الأصح لأن الأرض هي الحياة، أو على الأقل أمر ضروري للحياة، ولذا فإن الصراع على الأرض كثيرا ما يكون صراعا على الحياة، ولا يعني ذلك أن جميع أفراد المجموعة المستهدفة بالإبادة قد فقدوا حياتهم بالمعنى الحرفي، لكنه يعني أن قتل جزء منهم، مع ما تُخلِّفه عملية القتل من رعب نفسي وتهجير وتشريد في صفوف البقية، كافٍ لكي نعتبر ما جرى إبادة جماعية كاملة. 
للتأكيد على فعل الإبادة: فتدمير المكان، كان في القرى التي دمرتها العصابات الصهيونية  ( 418 ) قرية تدميرا كاملا ،عام 48، وهو رقم ضخم يُمثِّل نصف عدد القرى الفلسطينية تقريبا. أما الإبادة فهي المذابح الجماعية التي ارتكبتها عصابات "الهاجاناه" الصهيونية في حق الفلسطينيين العُزَّل، وهي نحو عشر مذابح كبرى راح ضحيتها العديد من الفلسطينيين . واليوم عدد ولا حرج بالمجازر الأعنف بالتاريخ التي تجري في غزة .
بعد انقلاب الأدوار .. وطوفان الأقصى .. كانت غزة هي العنوان ...مسرح الصراع بين داوود وغوليات (جالوت)، بحسب ما تقول الروايات اليهودية التاريخية. كان داوود الإسرائيليّ هو الضعيف، مقابل غوليات الفلسطينيّ الجبّار. وحسب الرواية، أسقط داوود غوليات بضربة قاضية على جبينه بواسطة مقلاعه. 
يُصنّف الخبراء العسكريّون هذه الحادثة على أنها الحرب بين القوّي والضعيف. الضعيف دائماً لديه احتمال أن يخرج منتصراً، أو في الحدّ الأدنى منع القوي من الانتصار.رغم  إنها حرب لا تماثليّة بامتياز.
في مقاربة بين السردية والواقع:
كانت مسافة الصاروخ الفلسطيني أطول داخل فلسطين المحتلّة، وكلّما عجزت الدفاعات الجويّة الإسرائيليّة عن إسقاط هذه الصواريخ، عُدّ هذا الأمر على أنه نجاح للمقاومة الفلسطينيّة.التي تتمتع بالإرادة والعزيمة لأنها صاحبة الأرض التاريخية ، بكل ما فيها من إرث وتراث ، من شجرة الزيتون الى المقدسات  .. لذلك الإيمان بالنصر.
انقلبت الآية اليوم، ففي نفس المكان الجغرافيّ، أصبحت المقاومة هي داوود، وإسرائيل هي غوليات. لكن نهاية الصراع بينهما ليست كما في القصّة الدينية ، أي بضربة واحدة.
إن العقيدة القتالية التي يستند اليها الجيش من معتقدات كتابهم المقدس "التوراه" (العهد القديم) ،حيث تتخذ مما ورد فى التوراة من مطالبات بأن تكون فلسطين هى أرض الميعاد موطناً لليهود كمعتقد أساسي وهذه الفكرة متأصلة فى الفكر العسكري التاريخي لليهود وهو ما يتجسد في احتلال فلسطين.
كما أن هناك عدة أفكار فى العهد القديم تستند عليها العقيدة العسكرية الإسرائيلية وهى: " العدوانية ويبررها وعد الرب في التوراة بأرض الميعاد، من النيل إلى الفرات، ومن ثم الرغبة في التوسع".
يقول بن غوريون إن مملكة داوود لا تقوم إلا بالدم وأن مصير اليهود مرتبط بقوتهم العسكرية، وبسبب وجود إسرائيل فى قلب العالم العربي فإنها تدرك خطورة وضعها، وعلى ذلك فإن مبدأ الدولة المسلحة هو ما تعتمد عليه الدولة العبرية فى عقيدتها العسكرية مما يجعلها تعتمد على نظام التعبئة والإحتياط. 
كما أن اعتماد فكرة "الخيار الوحيد" أي أنه كي يعيش الشعب اليهودي فعليه الاستعداد دائما للحرب أمام العرب، وقـد قال موشى ديان ( وزير الدفاع الإسرائيلي في حرب أكتوبر 1973 ) إن الدفاع بالنسبة لإسرائيل كان وسيظل دائما "الهجوم على العدو في أرضه".
وقال في حفل تأبين، في نيسان 56، يقول دايان  "نحن جيل استوطن الأرض ودون خوذة وبندقية لن نستطيع أن نزرع شجرة أو نبنى منزلاً، فدعونا لا نخشى جيراننا العرب ودعونا لا نغفل عن سلاحنا، إن هذا هو قدر جيلنا وهذا هو خيار حياتنا أن نكون مستعدين ومسلحين أقوياء وذوى عـزيمـة خشية أن يقع سيفنا من أيدنا ونموت".
ولذلك تعتمد على رادع قوى مثل القوة النووية غير المعلنة لتطوير التفوق التكنولوجي، وهو من بين أدوات الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية.
العقيدة والعسكر من وحي السرديات:
اعتمدت العقيدة القتالية الإسرائيلية منذ بن غوريون على النظرية الهجومية بسبب الإحساس بالضعف والتوجس من جيرانها وعدم الإحساس بالأمان مما يدفعها لمهاجمة مصادر التهديد ، وإتباع نهج الحرب الوقائية ضد العرب ،وهو ما جعل القيادة العسكرية تعمل على دعم سلاحها الجوى وبأجهزة إنذار مبكر والعمل على نقل المعركة إلى أرض العدو وتقصير أمد الحرب.
أما المرتزقة  فيعمل الاحتلال على استئجار مرتزقة من الموالين لإسرائيل والمعادين للعرب وللمسلمين، ويمكن للمرتزقة أن يشكلوا معظم وحدات المشاة خلال الحروب، مما يجعل إسرائيل توفر ملايين الدولارات لتجنيد شباب جدد وبقاء الجيش على أهبة الاستعداد بشكل دائم ،كما الاعتماد على نظام التعبئة لجنود الاحتياط الذين يشكلون عماد القوة الإسرائيلية .
إن نظرية "امة تحت السلاح" هي عمادها للتجنيد العام للرجال والنساء مع استثناءات مناسبة (يقررها وزير الدفاع) تمنح للأقليات (يستثنى المواطنون العرب من الخدمة الإجبارية) ولقطاعات دينية معينة من السكان الذين يشكلون الغالبية (مثل اليهود شديدو التدين من الرجال الذين يدرسون لوقت كامل في الأكاديميات الدينية، والنساء المتدينات بشكل عام، عدا الذين يختارون أداء نوع من الخدمة الوطنية).
تعتبر هذه العمومية مسالة عقيدة في الروح الشعبية القومية الإسرائيلية وجاء كنتيجة طبيعية لهذه المجموعة من الافتراضات امتداد مفهوم العمومية الى خدمة الاحتياط، ولأنه لا يمكن حل النقص في أفراد القوات المسلحة ،(على الأقل بمعنى التغلب على التفوق العددي للعرب)، كان من الضروري الإبقاء على خدمة جيش المواطنين الى ما بعد حدود خدمة الجيش الإجبارية (وهي ثلاث سنوات للرجال وسنتان للنساء).