مقال: الولايات المتحدة تكبدت هزيمة كاملة في إيران غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي

صنارة نيوز - 12/05/2026 - 10:13 am

توضيح: تنبع أهمية المقال الذي نشر في مجلة "ذي أتالنتيك" الأمريكية من أن كاتبه روبرت كاغان ليس ناقدًا تقليديًا للسياسة الإمبريالية الأمريكية، بل أحد أبرز منظّري التدخل العسكري الأمريكي، ومن أكثر المدافعين عن الحروب الأمريكية، خصوصًا في الشرق الأوسط، فهو أحد مؤسسي مشروع "القرن الأمريكي الجديد"، والذي يُعد أكثر مراكز التفكير نزعةً إمبريالية في واشنطن وكان من أبرز المؤيدين لغزو العراق. لذلك فإن إقراره بأن الولايات المتحدة تعرضت لـ"هزيمة كاملة" في إيران يمنح المقال وزنًا استثنائيًا، لأنه يصدر عن شخصية محسوبة تاريخيًا على التيار الأكثر تشددًا ودعما للهيمنة الإمبريالية الأمريكية في واشنطن.

 

 

يصعب التفكير في لحظة تكبّدت فيها الولايات المتحدة هزيمة كاملة في نزاع ما، نكسةً كانت من الحسم بحيث لا يمكن ترميم خسارتها الاستراتيجية ولا تجاهلها. فالخسائر الكارثية التي مُنيت بها في بيرل هاربر، وفي الفلبين، وفي أنحاء غرب المحيط الهادئ خلال الأشهر الأولى من الحرب العالمية الثانية، جرى تداركها في نهاية المطاف. أما الهزائم في فيتنام وأفغانستان فكانت باهظة، لكنها لم تُلحق ضررًا دائمًا بالمكانة الأمريكية العامة في العالم، لأنها وقعت بعيدًا عن الساحات الرئيسية للتنافس العالمي. وحتى الإخفاق الأولي في العراق جرى التخفيف من أثره عبر تغيير في الاستراتيجية أفضى في النهاية إلى عراق مستقر نسبيًا وغير مهدِّد لجيرانه، مع إبقاء الولايات المتحدة القوة المهيمنة في المنطقة.

أما الهزيمة في المواجهة الراهنة مع إيران فستكون ذات طابع مختلف تمامًا. فلا يمكن إصلاحها ولا تجاهلها. ولن تكون هناك عودة إلى الوضع السابق، ولا انتصار أمريكي نهائي يمحو الضرر الذي وقع أو يتغلب عليه. ولن يعود مضيق هرمز "مفتوحًا" كما كان من قبل.

 فمع السيطرة على المضيق، تبرز إيران بوصفها اللاعب الرئيسي في المنطقة، وأحد اللاعبين الرئيسيين في العالم. وتتقوّى أدوار الصين وروسيا، حليفتي إيران، فيما يتراجع دور الولايات المتحدة تراجعًا كبيرًا. 

وبعيدًا عن إظهار البراعة الأمريكية، كما دأب مؤيدو الحرب على الادعاء، كشفت هذه المواجهة عن أمريكا غير موثوقة وغير قادرة على إتمام ما بدأته. وهذا من شأنه أن يطلق سلسلة من التفاعلات حول العالم، فيما يعيد الأصدقاء والخصوم على السواء ضبط مواقفهم على وقع الإخفاق الأمريكي.

يحب الرئيس ترامب أن يتحدث عمّن "يمتلك الأوراق"، لكن ليس واضحًا ما إذا كانت لديه أي أوراق رابحة متبقية ليلعبها. فقد أمطرت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران بالقصف بفعالية مدمّرة على مدى 37 يومًا، فقتلت جزءًا كبيرًا من قيادتها ودمّرت معظم قدراتها العسكرية، لكنها لم تتمكن من إسقاط النظام ولا انتزاع حتى أصغر تنازل منه. والآن تأمل إدارة ترامب أن يحقق حصار الموانئ الإيرانية ما عجزت عنه القوة الساحقة. وهذا ممكن، بطبيعة الحال، لكن نظامًا لم يُركَع بعد خمسة أسابيع من الهجوم العسكري المتواصل من غير المرجّح أن ينهار استجابةً للضغط الاقتصادي وحده. وهو لا يخشى أيضًا غضب سكانه. 

ولذلك يدعو بعض مؤيدي الحرب إلى استئناف الضربات العسكرية، لكنهم لا يستطيعون تفسير كيف يمكن لجولة قصف أخرى أن تنجز ما لم تنجزه 37 يومًا من القصف. كما أن أي عمل عسكري إضافي سيقود حتمًا إلى رد إيراني على دول الخليج المجاورة، وليس لدى دعاة الحرب جواب عن ذلك أيضًا. ولم يوقف ترامب الهجمات على إيران لأنه شعر بالملل، بل لأن إيران كانت تضرب منشآت النفط والغاز الحيوية في المنطقة. وقد جاءت نقطة التحول في 18 مارس/آذار، حين قصفت إسرائيل حقل بارس الجنوبي للغاز في إيران، فردّت إيران بمهاجمة مدينة راس لفان الصناعية في قطر، وهي أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي في العالم، متسببةً بأضرار في القدرة الإنتاجية سيستغرق إصلاحها سنوات. وردّ ترامب بإعلان وقف للضربات الإضافية على منشآت الطاقة الإيرانية، ثم أعلن وقفًا لإطلاق النار، رغم أن إيران لم تقدّم أي تنازل.

ولا يزال منطق المخاطر الذي أجبر ترامب على التراجع قبل شهر قائمًا حتى الآن. فحتى لو نفّذ ترامب تهديده بتدمير "حضارة" إيران عبر مزيد من القصف، فستظل إيران قادرة على إطلاق عدد كبير من الصواريخ والطائرات المسيّرة قبل سقوط نظامها، على افتراض أنه سيسقط أصلًا.

 فبضع ضربات ناجحة فقط قد تشلّ بنية النفط والغاز التحتية في المنطقة لسنوات، إن لم يكن لعقود، دافعةً العالم، والولايات المتحدة كذلك، إلى أزمة اقتصادية ممتدة. وحتى لو أراد ترامب قصف إيران في إطار استراتيجية خروج، أي الظهور بمظهر المتشدد لإخفاء تراجعه، فإنه لا يستطيع فعل ذلك من دون المخاطرة بهذه الكارثة.

وإن لم يكن هذا "كش ملك" للولايات المتحدة فهو قريب منها. فقد طُلب من أجهزة الاستخبارات الأمريكية، بحسب ما تردد في الأيام الأخيرة، تقييم تبعات أن تعلن الولايات المتحدة النصر ببساطة ثم تنسحب. ولا يمكن لوم ترامب على ذلك. فالتعويل على انهيار النظام ليس استراتيجية تُذكر، وخصوصًا حين يكون هذا النظام قد صمد أصلًا أمام جولات متكررة من الضربات العسكرية والاقتصادية. وقد يسقط غدًا، أو بعد ستة أشهر، أو قد لا يسقط على الإطلاق. وليس لدى ترامب كل هذا الوقت لينتظر، بينما يقترب سعر النفط من 150 بل ربما 200 دولار للبرميل، وترتفع معدلات التضخم، وتبدأ أزمات الغذاء والسلع الأخرى عالميًا بالظهور. إنه يحتاج إلى تسوية أسرع.

لكن أي تسوية غير استسلام أمريكي فعلي تنطوي على مخاطر هائلة لم يُبدِ ترامب حتى الآن استعدادًا لتحملها. فالذين يدعون بخفة إلى أن "يُنهي ترامب المهمة" نادرًا ما يعترفون بالكلفة. فما لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لخوض حرب برية وبحرية شاملة لإسقاط النظام الإيراني القائم، ثم لاحتلال إيران إلى أن تتمكن حكومة جديدة من ترسيخ نفسها؛ وما لم تكن مستعدة للمخاطرة بخسارة السفن الحربية التي ترافق ناقلات النفط عبر مضيق متنازع عليه؛ وما لم تكن مستعدة لقبول الأضرار الطويلة الأمد والمدمرة التي يُرجَّح أن تنجم عن الرد الإيراني على القدرات الإنتاجية في المنطقة، فقد يبدو الانسحاب الآن الخيار الأقل سوءًا. 

ومن الناحية السياسية، قد يرى ترامب أن فرصته في احتواء الهزيمة أفضل من فرصته في النجاة من حرب أكبر وأطول وأكثر كلفة قد تنتهي هي الأخرى إلى الفشل.

وعليه، فإن هزيمة الولايات المتحدة ليست ممكنة فحسب، بل مرجّحة أيضًا. وهذا هو شكل الهزيمة. ستبقى إيران مسيطرة على مضيق هرمز. والافتراض الشائع بأن المضيق سيُعاد فتحه، بطريقة أو بأخرى، عندما تنتهي الأزمة، افتراض لا أساس له. فإيران ليست لديها أي مصلحة في العودة إلى الوضع السابق. ويتحدث الناس عن انقسام بين متشددين ومعتدلين في طهران، لكن حتى المعتدلين لا بد أن يدركوا أن إيران لا تستطيع تحمل التخلي عن المضيق، مهما بدا الاتفاق الذي قد تحصل عليه جيدًا. فمن جهة، ما مدى موثوقية أي اتفاق مع ترامب؟ 

لقد كان يتباهى بتكرار الهجوم الياباني المباغت على بيرل هاربر حين وافق على قتل القيادة الإيرانية في خضم المفاوضات. ولا يمكن للإيرانيين أن يثقوا بأن ترامب لن يقرر شن هجوم جديد بعد أشهر قليلة من إبرام اتفاق. وهم يعلمون أيضًا أن الإسرائيليين قد يهاجمون مجددًا، إذ إنهم لا يشعرون يومًا بأن ثمة ما يقيّد حركتهم حين يعتقدون أن مصالحهم مهددة.

ومصالح إسرائيل ستكون مهددة فعلًا. فكما أشار كثير من الخبراء في الشأن الإيراني، يبدو أن النظام في طهران مرشح للخروج من الأزمة أقوى بكثير مما كان عليه قبل الحرب، بعدما لم يكتفِ بالاحتفاظ بقدرته النووية المحتملة، بل حصل أيضًا على سلاح أكثر فاعلية: القدرة على احتجاز سوق الطاقة العالمية رهينة. وحين يتحدث الإيرانيون عن "إعادة فتح" المضيق، فإنهم يقصدون مع ذلك إبقاءه تحت سيطرتهم. وستكون إيران قادرة ليس فقط على فرض رسوم عبور، بل على تقييد المرور على الدول التي تربطها بها علاقات جيدة. وإذا تصرفت دولة ما بطريقة لا تعجب حكام إيران، فسيكون بإمكانهم معاقبتها بمجرد إبطاء، أو حتى التهديد بإبطاء، تدفق سفنها التجارية الداخلة إلى المضيق والخارجة منه.

إن القدرة على إغلاق المضيق أو التحكم في حركة السفن عبره أعظم وأكثر مباشرة من القدرة النظرية للبرنامج النووي الإيراني. وسيتيح هذا النفوذ لقادة طهران إرغام الدول على رفع العقوبات وتطبيع العلاقات، أو مواجهة العقاب. وستجد إسرائيل نفسها أكثر عزلة من أي وقت مضى، فيما تزداد إيران ثراءً، وتعيد التسلح، وتحافظ على خياراتها للذهاب نحو السلاح النووي مستقبلًا. بل قد تجد إسرائيل نفسها عاجزة حتى عن ملاحقة وكلاء إيران: ففي عالم تمارس فيه إيران نفوذًا على إمدادات الطاقة لعدد كبير من الدول، قد تواجه إسرائيل ضغوطًا دولية هائلة لعدم استفزاز طهران في لبنان أو غزة أو أي مكان آخر.

كما أن الوضع الجديد في المضيق سيؤدي إلى تحول كبير في موازين القوة والنفوذ، إقليميًا وعالميًا. ففي المنطقة، ستكون الولايات المتحدة قد أثبتت أنها نمر من ورق، ما سيدفع دول الخليج وغيرها من الدول العربية إلى التكيّف مع إيران. وكما كتب الباحثان في الشأن الإيراني رويل جيرشت وراي تاكيه مؤخرًا: "لقد بُنيت اقتصادات الخليج العربية تحت مظلة الهيمنة الأمريكية. وإذا أزلت هذه المظلة، ومعها حرية الملاحة التي ترافقها، فإن دول الخليج ستجد نفسها مضطرة، حتمًا، إلى التوسل إلى طهران".

ولن تكون هذه الدول وحدها. فجميع الدول التي تعتمد على طاقة الخليج ستضطر إلى ترتيب علاقاتها الخاصة مع إيران. وما الخيار المتاح أمامها؟ فإذا كانت الولايات المتحدة، ببحريتها الجبارة، لا تستطيع أو لا تريد فتح المضيق، فلن تتمكن أي قوة أخرى، أو أي تحالف لا يملك إلا جزءًا يسيرًا من القدرات الأمريكية، من فعل ذلك أيضًا. أما المبادرة الأنغلو-فرنسية لفرض الأمن في المضيق بعد وقف إطلاق النار، فهي أشبه بالمزحة. فقد أوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن هذا "التحالف" لن يعمل إلا في ظروف سلمية داخل المضيق: سيرافق السفن، ولكن فقط إذا لم تكن بحاجة فعلية إلى مرافقة. غير أنه مع بقاء إيران في موقع السيطرة، لن يعود المضيق آمنًا مرة أخرى لفترة طويلة. وقد يكون للصين بعض النفوذ على طهران، لكن حتى الصين لا تستطيع فتح المضيق بالقوة بمفردها.

ومن آثار هذا التحول المحتملة اتساع سباق بحري بين القوى الكبرى. ففي الماضي، كانت غالبية دول العالم، بما فيها الصين، تعتمد على الولايات المتحدة في منع مثل هذه الأزمات ومعالجتها. أما الآن، فإن الدول في أوروبا وآسيا التي تعتمد على موارد الخليج العربي تجد نفسها عاجزة أمام فقدان إمدادات الطاقة الحيوية لاستقرارها الاقتصادي والسياسي. فإلى متى يمكنها أن تتحمل ذلك قبل أن تبدأ ببناء أساطيلها الخاصة، كوسيلة لممارسة النفوذ في عالم بات كل طرف فيه لنفسه، عالم انهار فيه النظام والقدرة على التنبؤ؟

ولن تقتصر تداعيات الهزيمة الأمريكية في الخليج على ذلك، بل ستكون لها أيضًا ارتدادات عالمية أوسع. فالعالم كله يرى أن مجرد أسابيع قليلة من الحرب مع قوة من الدرجة الثانية قد خفّضت مخزونات الأسلحة الأمريكية إلى مستويات خطرة، من دون وجود علاج سريع في الأفق. والأسئلة التي يثيرها ذلك حول جاهزية الولايات المتحدة لنزاع كبير آخر قد تدفع شي جين بينغ إلى مهاجمة تايوان، أو فلاديمير بوتين إلى تصعيد عدوانه على أوروبا، وقد لا تدفعهما. لكن، في الحد الأدنى، لا بد أن حلفاء أمريكا في شرق آسيا وأوروبا يتساءلون عن مدى قدرة الولايات المتحدة على الصمود في أي نزاعات مقبلة.

إن التكيّف العالمي مع عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية يتسارع. وما كان الموقع الأمريكي المهيمن في الخليج إلا أول ضحايا كثيرة قادمة.