صعود ياسر عباس في فتح: بين الاقتصاد وإشكالية الشرعية السياسية

صنارة نيوز - 12/05/2026 - 11:13 am  /  الكاتب - د راسم البشارات

د. راسم بشارات - دكتوراه في دراسات غرب آسيا، باحث ومحلل ومختص في الشأن الفلسطيني واللاتيني.

 

 

 

 

 

يثير الحديث عن احتمال ترشح ياسر عباس لعضوية اللجنة المركزية في حركة فتح تساؤلا أساسيا يتعلق بطبيعة الدور الذي يمكن أن يضيفه داخل الحركة، وما إذا كان حضوره سيمثل استمرارا للنمط القيادي التقليدي، أم محاولة لإدخال مقاربة مختلفة تستند إلى الخبرة الاقتصادية والإدارية في إدارة الشأن التنظيمي والسياسي.

 

مع ذلك، فإن نجاح هذا الانتقال لا يرتبط فقط بالخلفية الاقتصادية التي يمتلكها ياسر عباس، بل بقدرته على التحول من رجل أعمال وفاعل اقتصادي إلى شخصية سياسية قادرة على التأثير داخل البنية التنظيمية للحركة، وفهم تعقيدات العمل السياسي ومتطلباته الداخلية، بما في ذلك القدرة على بناء العلاقات التنظيمية والتعامل مع التوازنات القائمة داخل الحركة.

 

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى وجود شخصية ذات خلفية اقتصادية داخل اللجنة المركزية باعتباره عاملا قد يساهم في إدخال أدوات جديدة إلى عملية صنع القرار، خصوصا في القضايا المرتبطة بالتخطيط الاستراتيجي، والتنمية الاقتصادية، وإدارة المشاريع، وتعزيز التفكير المؤسسي داخل الحركة.

 

كما أن وجود خبرة عملية في مجالات الاستثمار والبنية التحتية والإدارة قد يساعد في ربط الخطاب السياسي بالاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الفلسطيني، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة التي تواجه الحالة الفلسطينية. ومن هنا، فإن أهمية هذه المشاركة لا تكمن فقط في البعد الشخصي، بل فيما قد تعكسه من توجه نحو توسيع قاعدة الخبرات داخل البنية القيادية للحركة، وإدخال مقاربات جديدة تتجاوز الإطار السياسي التقليدي نحو رؤية أكثر ارتباطا بالتنمية والإدارة والاقتصاد. وفي اعتقادي أن وجود شخصية مثل ياسر عباس يمكن أن تحدث ايجابيات عدة على صعيد حركة فتح، أبرزها :

 

 

 

إعادة إدخال البعد الإداري–الاقتصادي إلى العمل الحركي
تعاني فتح، كغيرها من الحركات التي انتقلت من طور الثورة إلى طور السلطة، من فجوة واضحة بين الخطاب السياسي وآليات الإدارة الفعلية للموارد والمؤسسات. في هذا السياق، يمكن أن يشكل حضور ياسر عباس مدخلا لإدخال مقاربات أكثر ارتباطا بمنطق الإدارة الحديثة، مثل:

 

● ترسيخ مبادئ الكفاءة المؤسسية في إدارة الأطر المرتبطة بالحركة
● تعزيز ثقافة التخطيط الاستراتيجي القائم على أهداف قابلة للقياس
● تطوير آليات المساءلة وربط الأداء بالنتائج بدل الاكتفاء بالولاءات التنظيمية
غير أن نجاح هذا التحول ليس مسألة تقنية فقط، بل يعتمد على استعداد البيئة التنظيمية لتقبل نمط قيادة أقل تقليدية وأكثر مهنية، وهو أمر لا يمكن افتراضه تلقائيا في بنية سياسية ذات طابع تاريخي ونضالي.

 

 

 

توظيف الاقتصاد كأداة ضمن الاستراتيجية السياسية
في الحالة الفلسطينية، لا يمكن الفصل بين الاقتصاد والسياسة، حيث يشكل الوضع الاقتصادي عنصرا حاسما في الاستقرار الداخلي. من هذا المنطلق، يمكن أن يدفع وجود ياسر عباس نحو:

 

● تبني مشاريع تنموية وبنى تحتية ذات أثر مباشر على الحياة اليومية
● تحسين بيئة الاستثمار وجذب رؤوس الأموال، سواء المحلية أو من الشتات
● صياغة خطاب سياسي يربط بين تحسين الظروف المعيشية وتعزيز الاستقرار السياسي.
هذه المقاربة قد تمنح الحركة بعدا عمليا يلامس احتياجات المجتمع، بدل الاكتفاء بالشعارات الكبرى، لكنها تتطلب أيضا قدرة على العمل ضمن قيود الواقع السياسي والاقتصادي المعقد.

 

 

 

إعادة بناء العلاقة بين النخبة السياسية والقطاع الخاص
تاريخيا، اتسمت العلاقة بين الفاعلين السياسيين والقطاع الخاص بدرجة من التباعد أو الحذر المتبادل. وجود شخصية ذات خلفية اقتصادية داخل مركز القرار في الحركة قد يساهم في:

 

● بناء جسور ثقة مع مجتمع الأعمال الفلسطيني.
● إدماج القطاع الخاص في مشاريع ذات طابع وطني وتنموي.
● تخفيف التوتر البنيوي بين منطق الربح الاقتصادي ومنطق القرار السياسي.
إلا أن هذا الدور يبقى حساسا، لأنه يتطلب إدارة دقيقة لتجنب تضارب المصالح أو ترسيخ الانطباع بوجود تداخل غير صحي بين السلطة ورأس المال.

 

 

 

الإسهام في إعادة تشكيل صورة الحركة
إذا تم توظيف حضور ياسر عباس ضمن رؤية متكاملة، يمكن أن يمثل نموذجا لانتقال جزئي في هوية الحركة من إطار ثوري تقليدي إلى إطار أكثر براغماتية وارتباطا بإدارة السلطة. وهذا قد يتجلى في:

 

● تبني خطاب أقل أيديولوجية وأكثر واقعية.
● التركيز على الحوكمة والإدارة إلى جانب البعد السياسي.
لكن هذا المسار قد يواجه مقاومة من قواعد ترى أن هذا التحول يهدد الهوية التاريخية للحركة ويضعف بعدها النضالي.

 

في الإجمال، يمكن لياسر عباس أن يسهم في إدخال عناصر مهنية وإدارية واقتصادية إلى عمل حركة فتح، وهي مجالات تعاني من اختلالات حقيقية. غير أن تحقق هذه الإضافة لا يعتمد فقط على قدراته الفردية، بل على تفاعل عاملين حاسمين: مدى استعداد البيئة التنظيمية لاستيعاب نمط قيادة مختلف، وقدرته هو على بناء شرعية سياسية تتجاوز محدداته العائلية. وختاما يبدو لي - من خلال متابعاتي وثراء تجربته العملية - انه قادر على إحداث الفرق.