ليس “لحظة غضب”: قراءة علمية في جرائم قتل الآباء لأبنائهم

صنارة نيوز - 27/04/2026 - 9:25 pm

الصناره نيوز - خاص

 


تُثير الجرائم الأسرية، ولا سيما تلك التي يكون ضحاياها أطفالًا، حالة من الصدمة العميقة في الوعي الجمعي، ليس فقط لهول الفعل، بل لأنه يصدر من داخل النواة التي يُفترض أنها الأكثر أمانًا: الأسرة. وفي خضم التفاعل الواسع مع حوادث حديثة، يعود السؤال الأهم: كيف تفسّر العلوم النفسية والاجتماعية هذه الظاهرة المعقّدة؟ وهل هي حالات “استثنائية” أم امتداد لأنماط يمكن فهمها ورصدها؟
في الأدبيات العلمية، تُعرف هذه الجريمة بمصطلح (Filicide)، أي قيام أحد الوالدين بقتل طفله. ورغم قسوة المصطلح، إلا أن تناوله أكاديميًا لا يهدف إلى التبرير، بل إلى الفهم، باعتبار الفهم مدخلًا أساسيًا للوقاية.
تصنيفات علمية لفهم الدوافع
يُعدّ تصنيف الطبيب النفسي الأمريكي Phillip J. Resnick، الذي وُضع عام 1969 ولا يزال مرجعًا حتى اليوم، من أبرز النماذج التفسيرية لهذه الجرائم. وقد قسّم الدوافع إلى أنماط رئيسية، أبرزها:
القتل بدافع “الإيثار” المتوهّم: حيث يعتقد الجاني، في سياق اضطراب نفسي عميق، أن إنهاء حياة الطفل هو “إنقاذ” له من معاناة متخيلة.
القتل تحت تأثير الذهان: عندما يرتكب الفعل نتيجة هلاوس أو أوهام شديدة تفقده القدرة على الإدراك السليم.
الطفل غير المرغوب فيه: ويظهر غالبًا في حالات قتل حديثي الولادة.
القتل الانتقامي: وهو النمط الأكثر ارتباطًا بالنزاعات الزوجية، حيث يُستخدم الطفل كوسيلة لإلحاق الأذى النفسي بالطرف الآخر.
العنف غير المقصود الذي يؤدي للوفاة: نتيجة إساءة معاملة مفرطة دون نية مسبقة للقتل.
وتشير الدراسات إلى أن هذه الأنماط ليست متساوية في الانتشار، بل تختلف بحسب السياق الاجتماعي والنفسي لكل حالة.
الآباء والأمهات: اختلاف في الأنماط لا في الخطورة
خلافًا للصورة النمطية، تُظهر المراجعات العلمية أن الآباء والأمهات يرتكبون هذه الجرائم بنسب متقاربة. إلا أن الفروقات تظهر في “الطريقة والدافع” أكثر من العدد.
فالأمهات غالبًا ما يرتبطن بحالات قتل حديثي الولادة أو الجرائم المرتبطة باضطرابات نفسية حادة، مثل اكتئاب ما بعد الولادة أو الذهان النفاسي. في المقابل، يميل الآباء إلى استهداف الأطفال الأكبر سنًا، وتظهر في حالاتهم بشكل أوضح دوافع الانتقام أو الضغوط الحياتية المرتبطة بالانفصال أو الأزمات الاقتصادية.
كما تشير الأدبيات إلى ارتفاع احتمالية أن تنتهي بعض هذه الجرائم بمحاولات انتحار من قبل الجاني، خاصة في الحالات التي تتداخل فيها عوامل نفسية حادة مع أزمات عنيفة
لا تحدث هذه الجرائم، في الغالب، بشكل مفاجئ أو معزول. بل تُجمع الدراسات على وجود مجموعة من المؤشرات المسبقة، منها:
اضطرابات نفسية غير معالجة، مثل الاكتئاب الحاد أو الفصام
تاريخ من العنف الأسري أو التعرض للإساءة
نزاعات زوجية حادة، خصوصًا المرتبطة بالطلاق أو الحضانة
العزلة الاجتماعية وضعف شبكات الدعم
ضغوط اقتصادية ومعيشية متراكمة
وتشير إحدى الدراسات المنشورة في المجلة الأمريكية للطب النفسي والقانون إلى أن عددًا كبيرًا من مرتكبي هذه الجرائم كانوا قد لفتوا انتباه مختصين في الصحة النفسية أو الاجتماعية قبل وقوع الحادثة، ما يعزز فكرة أن التدخل المبكر قد يكون عاملًا حاسمًا في الوقاية.
على المستوى العالمي، تختلف معدلات هذه الجرائم بشكل كبير بين الدول. إذ تسجل بعض دول أمريكا اللاتينية معدلات مرتفعة مرتبطة بالعنف المجتمعي والجريمة المنظمة، فيما تظهر أرقام لافتة أيضًا في دول متقدمة رغم استقرارها الأمني.
أما في الأردن، فلا تشير البيانات إلى انتشار واسع لهذه الجرائم مقارنة بالمعدلات العالمية، بل تبقى في إطار الحالات النادرة نسبيًا. إلا أن أثرها في المجتمع يكون بالغًا، نظرًا لطبيعتها الصادمة وحساسيتها الأخلاقية.
ويرى مختصون أن ما يميز السياق الأردني هو تداخل العوامل الاجتماعية مع البنية الأسرية التقليدية، حيث تلعب قضايا مثل “الكرامة”، والنزاعات العائلية، والضغوط المرتبطة بالانفصال دورًا في تعقيد المشهد.
في المجتمعات العربية عمومًا، ومنها الأردن، لا يمكن فصل هذه الجرائم عن السياق الثقافي. فمركزية العائلة، وأهمية الدور الأبوي، والتوقعات الاجتماعية المرتفعة، كلها عوامل قد تتحول—في حالات قصوى—إلى مصادر ضغط حاد.
كما أن بعض النزاعات الأسرية تُدار أحيانًا خارج الأطر المؤسسية، من خلال حلول عشائرية أو اجتماعية، ما قد يؤخر التدخل المتخصص في الوقت المناسب. وفي هذا السياق، يشير خبراء إلى أهمية تعزيز دور المؤسسات الرسمية في متابعة النزاعات الأسرية الحساسة، خصوصًا تلك التي تتضمن مؤشرات خطر.
هل هي “لحظة غضب”؟
رغم شيوع هذا التفسير، تؤكد الدراسات أن هذه الجرائم نادرًا ما تكون مجرد “انفجار لحظي”. بل هي غالبًا نتيجة تراكم طويل من الضغوط النفسية والاجتماعية، يترافق مع لحظة انهيار حاد في القدرة على التحكم بالسلوك.
وتلعب الاستجابات البيولوجية للتوتر—مثل ما يُعرف باستجابة “القتال أو الهروب”—دورًا في تسريع رد الفعل، لكنها لا تُنتج الجريمة من فراغ، بل تعمل كعامل محفّز ضمن سياق أوسع من الأزمات.
الوقاية: من الفهم إلى الفعل
إذا كان الفهم العلمي لهذه الظاهرة قد تقدّم بشكل ملحوظ، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الفهم إلى سياسات وإجراءات وقائية. ومن أبرز ما توصي به الدراسات:
تعزيز خدمات الصحة النفسية وإتاحتها بشكل أوسع
ربط المحاكم الشرعية ومؤسسات الحماية الأسرية بآليات تدخل مبكر
التعامل بجدية مع التهديدات المرتبطة بإيذاء الأطفال خلال النزاعات الزوجية
كسر العزلة الاجتماعية عبر شبكات دعم فعالة للأسر المعرّضة للخطر
وفي هذا الإطار، تدعو جهات حقوقية إلى مراجعة بعض الجوانب التشريعية المرتبطة بالجرائم الأسرية، بما يضمن عدم الإفلات من العقاب وتعزيز الردع القانوني.
تبقى جرائم قتل الأبناء من أكثر الظواهر تعقيدًا وصعوبة في الفهم، لأنها تقع عند تقاطع النفس والضغط الاجتماعي والانهيار الإنساني. وهي، رغم ندرتها النسبية في الأردن، تفرض نفسها كقضية تستدعي نقاشًا هادئًا وعميقًا، يتجاوز الصدمة إلى البحث في الأسباب ومسارات الوقاية.
فالخبر، مهما كان صادمًا، لا يجب أن يتوقف عند لحظة وقوعه، بل أن يتحول إلى فرصة لفهم أعمق، وسياسات أكثر وعيًا، ومجتمع أكثر قدرة على حماية أفراده الأكثر ضعفًا.