الصنارة نيوز أول من دقّ ناقوس الخطر • حبّ الظهور و وهم السيطرة: كيف تحوّل “ابستن الأردن” إلى كابوس هزّ الشارع الأردني؟

صنارة نيوز - 12/05/2026 - 1:45 pm


 الصناره نيوز - خاص

 

من العيادة إلى الترند… كيف تُبنى السلطة الرقمية خارج أي رقابة حقيقية؟

 

أعادت القضية المتداولة بشأن طبيب معروف على منصات التواصل الاجتماعي، موقوف على ذمة التحقيق في اتهامات تتعلق بالاعتداء على أحداث، فتح سؤال أعمق من حدود الواقعة ذاتها: كيف يمكن لشخصية مهنية ذات حضور عام، يفترض أن تكون موضع ثقة وأمان، أن تتحول في الوعي المجتمعي إلى نموذج صادم لاحتمال استغلال السلطة الناعمة، والوجاهة الرقمية، والهالة التي تصنعها الشهرة؟
القضية، التي ما تزال ضمن مسار التحقيق ولم يصدر فيها حكم قضائي نهائي، لا ينبغي التعامل معها بوصفها مادة للفضول أو التشهير، بل كجرس إنذار اجتماعي ومهني. فالأمر لا يتعلق فقط بطبيب متهم، ولا بمجموعة منشورات غاضبة على مواقع التواصل، بل ببنية كاملة من الثقة غير المختبرة، وبمساحات رمادية تتداخل فيها المهنة، والشهرة، والتسويق، والتأثير النفسي على الفئات الأضعف.
في مثل هذه القضايا، تكون الصدمة مضاعفة لأن المتهم لا يظهر في المخيال العام كشخص عادي، بل كصاحب صفة مهنية تُمنحه مسبقا رصيدا من الاطمئنان، فالطبيب، بحكم مهنته، يدخل إلى منطقة شديدة الحساسية في علاقة الإنسان بجسده وخوفه وثقته، وحين يضاف إلى هذه الصفة حضور واسع على منصات التواصل، تتسع دائرة التأثير من غرفة العيادة إلى فضاء عام يتابعه آلاف وربما مئات الآلاف، لا بوصفه طبيبا فقط، بل بوصفه شخصية ناجحة، واثقة، قريبة من الجمهور، وقادرة على صناعة الانطباع.
هنا تحديدا تبدأ خطورة ما يمكن تسميته بـ”السلطة الناعمة للشخصية المهنية”. فهي سلطة لا تستخدم الأمر المباشر، ولا تقوم على الخوف الصريح، بل على الإعجاب، والهيبة، والفضول، والرغبة في القرب من الشخص المشهور، هذه السلطة تصبح أكثر حساسية حين يكون الطرف الآخر صغير السن، أو هشا نفسيا، أو مأخوذا بالصورة اللامعة التي تقدمها المنصات.
وسائل التواصل الاجتماعي لا تصنع الانحراف بالضرورة، لكنها قد تمنح بعض الشخصيات شعورا متضخما بالحضور والحصانة، فكل إعجاب، وكل تعليق، وكل ظهور مصوّر، يمكن أن يغذي لدى بعض الأفراد وهم التفوق والاستثناء، خصوصا حين تغيب المساءلة المهنية الصارمة، أو حين تختلط الحدود بين الطبيب والمؤثر، وبين النصيحة الطبية والمحتوى التسويقي، وبين العيادة كمكان خدمة والعيادة كمنصة نجومية.
في القضايا المشابهة، يتكرر نمط اجتماعي لافت: صورة عامة براقة، لغة إنسانية مطمئنة، حضور إعلامي ناعم، وربما انخراط في مبادرات خيرية أو مجتمعية؛ ثم، في المقابل، اتهامات تكشف احتمال وجود وجه آخر خلف الصورة،هذه الازدواجية، إن ثبتت قضائيًا، لا تكون مجرد سقوط فردي، بل انهيارا في منظومة الثقة التي سمحت لصاحب الصورة بأن يتحرك طويلًا دون تدقيق كافٍ.
ومن المهم هنا عدم الانزلاق إلى تشخيص نفسي مباشر للمتهم، فالتشخيص لا تصنعه التعليقات ولا الصور ولا الغضب العام، لكن من المشروع صحفيا واجتماعيا تحليل النمط: كيف تتحول الكاريزما إلى غطاء؟ كيف تصبح الشهرة أداة اقتراب؟ كيف تمنح المهنة صاحبها قدرة على تجاوز الحذر الطبيعي لدى الآخرين؟ وكيف يمكن للقاصر أو الشاب الصغير أن يجد نفسه أمام شخص يملك عمرا أكبر، ومكانة أعلى، وثقة اجتماعية جاهزة، فيختل ميزان العلاقة منذ اللحظة الأولى؟
الأخطر في مثل هذه الوقائع أن الجريمة، إن ثبتت، لا تبدأ عادة من لحظة الاعتداء، بل من سلسلة طويلة من تهيئة الثقة، تبدأ بصورة مثالية، برسائل تبدو عادية، بلغة دعم أو مساعدة، بإيحاءات تدريجية، وباستثمار في حاجة الطرف الأضعف إلى الاعتراف أو القبول أو النجدة، ولهذا فإن التعامل مع هذه القضايا يجب ألا يظل محصوراص في السؤال الجنائي وحده، بل يجب أن يمتد إلى سؤال الوقاية: كيف نعلّم الأحداث قراءة الخطر حين يأتي بوجه لطيف؟ كيف نكسر هيبة “الشخص المشهور” حين تتحول إلى وسيلة ضغط؟ وكيف نمنح العائلات أدوات إنذار مبكر دون تحويل الخوف إلى ذعر دائم؟
القضية تضع أيضًا المؤسسات المهنية والرقابية أمام مسؤولية مضاعفة، فالجمهور العادي لا يميّز دائمًا بين الطبيب العام، والطبيب الاختصاصي، وخبير التجميل، وصانع المحتوى الطبي، خصوصًا في عصر أصبحت فيه الشهرة الرقمية تُنتج نفوذًا اجتماعيًا قد يفوق أحيانًا أثر المؤهلات الأكاديمية ذاتها. ومن هنا، يصبح ضبط استخدام الألقاب الطبية، ومراقبة الإعلانات والمنصات الرقمية، وتوضيح المؤهلات الحقيقية، ومساءلة من يوظّف الصفة المهنية تجاريًا أو إعلاميًا، جزءًا من حماية المجتمع قبل أن يكون دفاعًا عن سمعة المهنة.
وتعيد هذه القضية فتح النقاش حول العلاقة المعقدة بين “الشهرة الرقمية” و”الثقة المجتمعية”، إذ باتت بعض الحسابات على وسائل التواصل قادرة على صناعة صورة عامة تمنح أصحابها مكانة اجتماعية وتأثيرًا نفسيًا واسعًا، حتى قبل أن يتم التحقق من عمق خبراتهم أو طبيعة ممارساتهم الفعلية. فالمتابع العادي غالبًا ما يربط بين عدد المتابعين، والحضور الإعلامي، والعمل الخيري، والمظهر المهني، وبين المصداقية الكاملة، وهو ما يجعل المنصات الرقمية بيئة قابلة أحيانًا لصناعة نفوذ يصعب على الجمهور تفكيكه أو اختبار حقيقته.
وكان موقع "الصنارة" قد تناول في تقرير سابق هذه الظاهرة بوصفها واحدة من أخطر التحولات التي فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي، محذرًا من استغلال المنصات الرقمية في بناء “هالات ثقة” قد تُستخدم للتأثير النفسي والاجتماعي، أو لاستدراج القبول المجتمعي، عبر المزج بين المحتوى الإنساني، والظهور الإعلامي، والخطاب التحفيزي، والصفة المهنية. وأشار التقرير إلى أن الخطر لا يكمن فقط في الأفعال الفردية، بل في البيئة الرقمية نفسها التي تسمح أحيانًا بتضخم الصورة العامة بصورة أسرع من قدرة المجتمع أو المؤسسات على التدقيق والمساءلة.
كما تطرح القضية تساؤلات أوسع حول مسؤولية الجهات المنظمة للإعلانات الطبية والمحتوى الصحي، وآليات الرقابة على استخدام الصفات المهنية في الفضاء الرقمي، خاصة مع تصاعد ظاهرة “المؤثر الطبي” الذي يجمع بين المهنة والظهور الجماهيري والتسويق الشخصي، في مساحة تختلط فيها المعرفة العلمية بالصورة الإعلامية، ويصبح فيها التأثير أحيانًا أقوى من التحقق.
أما الإعلام، فعليه أن يمشي على خط دقيق: أن يكشف الخلل دون أن يحاكم قبل القضاء، وأن يحمي الضحايا دون أن يحولهم إلى مادة استهلاكية، وأن يضيء على النمط دون أن يغرق في التفاصيل المؤذية. فالغاية ليست صناعة فضيحة عابرة، بل تحويل الصدمة إلى نقاش عام حول الأمان، والرقابة، والحدود، ومسؤولية المجتمع في حماية القاصرين من كل سلطة تُلبس نفسها ثوب الثقة.
في النهاية، هذه القضية ليست اختبارا لشخص واحد فقط، بل اختبار لمجتمع كامل: هل نكتفي بالغضب بعد وقوع الصدمة، أم نراجع البيئة التي جعلت الصدمة ممكنة؟ هل نكتفي بمطاردة الاسم، أم نسأل عن النظام الذي يسمح للصورة أن تسبق الحقيقة، وللشهرة أن تغطي على المؤهلات، وللثقة أن تُمنح بلا تحقق؟
القضاء وحده يملك الكلمة الفصل في الإدانة أو البراءة. لكن المجتمع يملك، منذ الآن، حق طرح الأسئلة الصعبة: عن الأمان الرقمي، وعن أخلاقيات المهن الحساسة، وعن حدود التأثير، وعن حماية الأحداث من أولئك الذين قد يدخلون حياتهم لا من باب العنف الظاهر، بل من باب الإعجاب والثقة والوجه المطمئن.

رابط الصناره نيوز :